بينما يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير متحمس لاستئناف الحرب الشاملة على إيران، تتصرف إسرائيل وكأن قرار استئناف القتال قد اتُّخذ بالفعل، وأن تنفيذه بات مسألة وقت فقط.
ووفقاً لتحليل المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل، فإن ترامب «ليس متحمساً للعودة إلى حرب شاملة مع إيران»، وقد أعلن بنفسه أنه كان على بعد ساعة واحدة من إصدار أمر بشن هجوم جديد، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة بناءً على طلب عربي.
ويرى مراقبون أن تردد ترامب في استئناف الحرب يعود إلى جملة من العوامل السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية. فالرئيس الأمريكي يواجه تراجعاً في شعبيته وارتفاعاً في معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، ما يجعله متحفظاً تجاه الدخول في حرب جديدة قد تُنظر إليها على أنها مكلفة وغير مضمونة النتائج. كما أن اقتراب موعد انطلاق بطولة كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، يشكل عاملاً إضافياً يدفع الإدارة الأمريكية إلى تجنب أي تصعيد واسع قد يؤثر على صور %8 التقارير، فإن ترامب أبلغ نتنياهو بأنه سيكون «حازماً جداً» فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار، في إشارة إلى رغبة أمريكية في منع توسع المواجهة. وفي المقابل، يبدو أن نتنياهو يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يعيد تشكيل المشهد الداخلي الإسرائيلي، خاصة في ظل الضغوط المرتبطة بأزمة قانون التجنيد والتوترات الأمنية المستمرة في الشمال.
وأشار المحلل العسكري يوءاف ليمور إلى أن ترامب أوضح لنتنياهو أن الولايات المتحدة هي الجهة التي تحدد إيقاع التصعيد أو التهدئة، مؤكداً أن القرار النهائي في هذا الملف يبقى بيد واشنطن وليس تل أبيب.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن الحرب مع إيران قد تمتد على شكل جولات قتالية متكررة طالما بقي النظام الإيراني قائماً، مضيفاً أن على الجمهور الإسرائيلي الاستعداد لفترة طويلة من المواجهات المتقطعة.
وتقدّر إسرائيل أن إيران كانت تمتلك قبل الحرب أكثر من ألفي صاروخ باليستي، وأن ما يقارب نصف هذه الترسانة ما زال موجوداً حتى الآن. كما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن فترة وقف إطلاق النار استُغلت لتوسيع «بنك الأهداف» وإضافة مواقع وشخصيات جديدة إلى قوائم الاستهداف المحتملة.
وفي الوقت ذاته، تواجه إسرائيل تحديات متزايدة على الجبهة اللبنانية، حيث يواصل «حزب الله» إطلاق المسيّرات المفخخة بصورة شبه يومية، وسط اعترافات إسرائيلية بصعوبة إيجاد حلول تقنية فعالة لمواجهتها. ويرى المحلل يوءاف ليمور أن الإيرانيين يعتبرون مجرد عدم خسارتهم في المواجهة نوعاً من الانتصار، محذراً من أن أي فشل أمريكي في فرض نتائج حاسمة سيمنح طهران مكاسب سياسية وإقليمية إضافية.
وفي المقابل، وضعت طهران، وفق ما نقلته تقارير وتحليلات سياسية، مجموعة شروط لأي اتفاق محتمل، تتضمن وقف العمليات العسكرية والاغتيالات بشكل كامل، والحصول على ضمانات بعدم تكرار الحرب.
ويضاف إلى ذلك اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، حيث يخشى الجمهوريون من أن يؤدي أي انخراط عسكري جديد إلى انعكاسات سلبية على المزاج الشعبي والنتائج الانتخابية. كما أن الحرب السابقة، التي استمرت خمسة أسابيع ونصف من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تحقق الهدف المعلن المتمثل بإضعاف إيران أو دفعها إلى الانهيار، الأمر الذي عزز حالة التردد لدى ترامب تجاه خيار التصعيد.
وفي ما يتعلق بالمكالمة الهاتفية التي جرت بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن التقارير الإسرائيلية لم تكشف تفاصيل دقيقة عنها، لكنها أشارت إلى وجود تباين واضح في المواقف بين الطرفين. وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن إسرائيل لم تُبلّغ مسبقاً بقرار واشنطن تمديد المهلة، وأن حالة من الصدمة سادت أوساط المسؤولين الإسرائيليين بعد الإعلان الأمريكي.
تحديد تعويضات واضحة عن الأضرار، وإنهاء التصعيد على مختلف الجبهات المرتبطة بإيران، بما فيها لبنان والعراق، فضلاً عن الاعتراف بحق إيران في السيادة على مضيق هرمز.
وقال مصدر أمني إسرائيلي إن طهران لا تثق بالنوايا الأمريكية، وتعتبر الحديث عن المفاوضات محاولة جديدة «لكسب الوقت» استعداداً لاحتمال تنفيذ عمل عسكري جديد ضدها.
وفي موازاة ذلك، قدم اللواء الإسرائيلي السابق عاموس يدلين والعقيد عودي أفنتال تقييماً للخيارات المتاحة أمام ترامب، معتبرين أن جميعها يحمل تعقيدات ومخاطر كبيرة. فمن جهة، قد يؤدي أي اتفاق يسمح باستمرار تخصيب اليورانيوم دون رقابة كاملة إلى اعتراضات إسرائيلية واسعة، بينما يحمل استمرار الحصار الاقتصادي والبحري على إيران تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
كما أن أي تحرك عسكري للسيطرة على مضيق هرمز أو كسر الحصار بالقوة قد يفتح الباب أمام حرب شاملة في المنطقة محتملة إلى ما بعد انتهاء بطولة كأس العالم وقبل الانتخابات النصفية الأمريكية، بحيث تكون الحرب، إذا اندلعت، محدودة زمنياً وتمتد من عدة أيام إلى بضعة أسابيع فقط.
كما تحدثت تقارير، بينها ما نشره موقع «أكسيوس»، عن خيارات عسكرية أمريكية قيد الدراسة تشمل السيطرة على جزر استراتيجية مرتبطة بمضيق هرمز ومنشآت تصدير النفط الإيراني، إضافة إلى تشديد الرقابة على السفن المرتبطة بالنفط الإيراني.
وفي جنوب لبنان، وصف ضباط إسرائيليون الوضع بأنه «قاتم ومقلق»، مشيرين إلى أن الأولوية الأساسية بالنسبة لهم تتمثل في إعادة الجنود بسلام، في ظل التهديد المستمر للمسيّرات المتفجرة وصعوبة فهم الاستراتيجية العسكرية العامة التي تقود العمليات.
أما على الساحة الداخلية الإسرائيلية، فيرى محللون أن نتنياهو يبحث عن إنجاز سياسي أو عسكري يعيد ترتيب المشهد الداخلي ويخفف الضغوط المتصاعدة عليه، الأمر الذي يجعل خيار التصعيد العسكري حاضراً بقوة ضمن الحسابات السياسية الإسرائيلية.
ويختتم المحلل يوءاف ليمور بالقول إن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل متى ستندلع، مؤكداً أن القرار النهائي لا يزال بيد ترامب، لكن ضيق الوقت واقتراب الاستحقاقات الدولية والداخلية يجعل المشهد أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.