لا تقف قوة الأردن عند حجم الموارد الطبيعية واتساع الجغرافيا والكثافة السكانية، فالحصن السياسي المنيع وحده القادر على صياغة قوة الدولة وصون مكوناتها وحماية مقدراتها. وشواهد ذلك الماثلة للعيان كثيرة؛ فنجد أن دولًا كبيرة الحجم، وغنية الموارد، وذات كثافة سكانية عالية، لكنها هشة سياسيًا وضعيفة في بنيتها التركيبية، فغياب القوة السياسية داخليًا وخارجيًا يؤثر على تماسك مكوناتها، مما يجعلها فريسة لمشكلات مزمنة تهدد السلم الأهلي، وتحدث تراجعًا واضحًا في التنمية، وارتفاعًا متزايدًا في الأمية والجهل المعرفي وفقدان المبادرة في الإنتاج والريادة، مما يضعف مظلة الرعاية الصحية الرسمية، ويؤدي إلى نكوص مدوٍّ في التعليم ومشاريع تحسين جودة الحياة، وبالتالي فقدان الثقة في الحاضر والمستقبل، وربما أيضًا بروز مشكلات إثنية وعرقية مزمنة تهدد تماسك المجتمع وتضعف المؤسسة الرسمية. في حين أن دولًا أخرى قليلة الموارد، ولا تُعد ذات ثقل جغرافي من حيث المساحة وعدد السكان، لكنها دول شديدة التماسك وذات وتيرة تنموية مستمرة، وإن تباطأت في بعض المحطات الاقتصادية الإقليمية أو المحلية.
الأردن نموذج الدولة القوية سياسيًا، وهو حصن منيع عماده الرسوخ السياسي ونظام شرعي يمتاز بحاضنة شعبية قوية وعميقة الجذور، ومؤسسات دستورية برزت منذ خطوات التأسيس الأولى لتأخذ مكانتها ودورها في مسيرة البناء والتحصين، ناهيك عن متانة المؤسستين العسكرية والأمنية المحترفتين، اللتين انخرط في تشكيلاتهما المختلفة أبناء الوطن في حالة من الفخر والتباهي قلّ نظيرها، مما مكّن من بناء منظومات الخدمات العامة من بنى تحتية، ومشاريع التعليم والتعليم العالي، والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية الشاملة، ومواكبة إفرازات العصر والحياة الحديثة من تقنيات وتكنولوجيا، وتوفير مناخات للمبادرات المبدعة والأعمال الريادية، التي جعلت الأردن على قدم المساواة مع دول ذات قدرات مالية وتكنولوجية متقدمة.
لم يُبنَ هذا الحصن السياسي من فراغ، بل جاء نتيجة إيمان حقيقي بأن الجدران السياسية الصلبة تتكون من مداميك متعددة المستويات، ولعل أوقعها أثرًا هذه اللحمة شديدة التماسك بين نظام الحكم الملكي الهاشمي وبين الأردنيين، والتي شدّت وثاقها محطات ومنعطفات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، فشكّلت هذه اللحمة صخرة منيعة وقفت في وجه جميع المؤامرات والمكائد التي حاولت النيل من هذا البلد سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، بل أفشلت كل مخططات الطامعين بهذا الحمى، الذين لم ينقطعوا يومًا عن محاولة الإساءة والتشويش، مستهدفين شرعيته وتاريخه الناصع وطهر دماء شهدائه، بعدما عجزوا عن تحقيق اختراق عسكري أو أمني، وهو ما جعل من الأردن شوكة مؤلمة وسامة في مسام مشاريعهم الطامعة وأحلامهم الطامحة.
إن قرب القيادة من الشعب عبر محطات تواصل عديدة، كثير منها مباشر، والتلمس الدائم لحاجات الناس وطموحاتهم، قد تم التعبير عنه دومًا من خلال مشاريع وبرامج تحديث الدولة بشكل مستمر، وتمكين الحكومات من تحقيق استجابات سريعة ضمن المتاح، خاصة ونحن نقع في إقليم هش يعاني من صدمات مزمنة، وكثيرًا ما تنتج عنها مواجهات دامية تؤثر مباشرة على التنمية الاقتصادية، نتيجة توقف السياحة، وارتباك سلاسل التوريد، وتراجع الإقبال على الاستثمار، بالإضافة إلى ما تفرضه التحديات العسكرية والأمنية من كلف مالية عالية، وهذا واقع لم يغادر الإقليم منذ عقود طويلة.
اليوم، وسط كل ما يحدث في المنطقة من صدامات عسكرية كبرى، وما تفرزه هذه الصدمات من أزمات إقليمية وعالمية عسكرية واقتصادية وأمنية بالغة الأثر، ورغم أن الأردن في بؤرة هذه الأحداث الجسام، إلا أنه يتكئ على حصنه السياسي القوي، وعلى تماسك جبهاته وتعاضدها وانسجامها مع شرعية نظامه، ليقدم للعالم نموذجًا للدولة القوية ذات القواعد الصلبة، رغم قلة الموارد الطبيعية والبشرية ومصاعب الموقع الجيوسياسي. وهذا كله يؤكد أن الحصن السياسي الأردني متعدد الركائز، شديد الصلابة والمنعة، وقادر في الوقت نفسه على تحريك الحلول والمساهمة في تشكيل توافق دولي يسهم في إخماد النيران وتهدئة عواصف المنطقة.