هنا، لا يعود السؤال: لماذا غاب هذا الطالب أو ذاك؟ بل: لماذا أصبح الغياب سهلاً إلى هذا الحد؟ ولماذا صار بعض الطلبة يتعاملون مع أيام دراسية كاملة وكأنها قابلة للتفاوض؟ هذا سؤال ليس انضباطياً فقط، بل تربوي ومجتمعي أيضاً.
فوزارة التربية والتعليم شددت، ضمن أسس النجاح والإكمال والرسوب للعام الدراسي 2025/2026، على خفض الحد الأقصى المسموح به لغياب الطلبة، فيما نقلت وسائل إعلام أردنية أن نسبة الغياب المسموح بها أصبحت 10% بدلاً من 20% في السابق، مع متابعة يومية للغياب من قبل مربي الصفوف والمدارس ورفعها إلكترونياً إلى مركز الوزارة. وهذا يعكس إدراكاً رسمياً بأن الغياب لم يعد مسألة هامشية، بل قضية تمس انتظام العملية التعليمية وجودتها.
لكن بين النص الرسمي والواقع المدرسي مسافة لا يجوز تجاهلها. فالمشكلة ليست فقط في الطالب الذي يغيب، بل في الثقافة التي قد تتشكل حول الغياب. حين يقتنع الطالب أن ما قبل العيد “لن يكون فيه تعليم حقيقي”، أو أن ما بعد الامتحان “أيام محسومة”، أو أن الأسبوع الأخير من السنة “وجوده وعدمه واحد”، فإننا لا نكون أمام ضعف التزام فردي فقط، بل أمام تراجع في معنى المدرسة نفسها.
كما أن المسؤولية لا تقع على الطلبة وحدهم. فبعض الممارسات داخل المدارس قد تساهم، بقصد أو دون قصد، في تطبيع الغياب، حين تُمرر بعض الأيام باعتبارها قليلة الجدوى، أو حين تصل إلى الطالب رسالة ضمنية بأن الحضور في أوقات معينة ليس مهماً فعلاً.
الغياب الجماعي، في جوهره، يكشف فجوة بين ما تقدمه المدرسة وما يبحث عنه الطالب. فإذا كانت المدرسة مكاناً لا يشعر الطالب أنه سيخسر كثيراً بغيابه عنه، فالمشكلة أعمق من دفتر حضور. لذلك، فإن المعالجة لا يجب أن تقتصر على العقوبة، بل على إعادة بناء قيمة الحضور داخل المدرسة، من خلال صف ذي معنى، ومعلم مدعوم، وإدارة لا تتعامل مع الأيام الحساسة كأيام ضائعة سلفاً.
فالسؤال الأهم ليس: كيف نمنع الطلبة من الغياب؟ بل: كيف نجعلهم يرون في الحضور قيمة لا عبئاً، ومدرسةً لا مجرد مبنى؟