- أبو دية: أوروبا تودّع البنزين وعمّان تقترب من عصر النقل الكهربائي
- الأردن أمام فرصة تاريخية للتحول إلى مركز للنقل والطاقة النظيفة
- من الباص السريع إلى المركبات الكهربائية.. عمّان تغير شكل النقل
قال الخبير البيئي د. أيوب أبو دية إن العالم يتجه بسرعة نحو التحول إلى النقل الكهربائي، في ظل السياسات الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية ومواجهة التغير المناخي، مشيرًا إلى أن أوروبا بدأت فعليًا إنهاء عصر سيارات البنزين والديزل ضمن خطة تستهدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.
وأوضح أبو دية أن الاتحاد الأوروبي قرر وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين والديزل اعتبارًا من عام 2035، بحيث تصبح غالبية المركبات الجديدة كهربائية أو صفرية الانبعاثات، لافتًا إلى أن هذا القرار سيؤدي تدريجيًا إلى تراجع المركبات التقليدية مع خروجها الطبيعي من الخدمة خلال السنوات المقبلة.
وبيّن أن التحول الكهربائي في أوروبا يشهد تسارعًا ملحوظًا، إذ تجاوزت حصة السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن نحو 25% من مبيعات السيارات الجديدة في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025، فيما تخطت النسبة 90% في دول مثل النرويج، بالتزامن مع توسع البنية التحتية للشحن التي تضم اليوم أكثر من مليون نقطة شحن عامة، مع خطط لرفعها إلى أكثر من 3 ملايين نقطة بحلول عام 2030.
وأضاف أن هذا التحول لم يعد مرتبطًا بالجانب البيئي فقط، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية تتعلق بأمن الطاقة وتخفيف الاعتماد على الوقود التقليدي، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة الأزمات الدولية والحرب في أوكرانيا والتوترات الإقليمية.
وفيما يتعلق بالأردن، أكد أبو دية أن العاصمة عمّان تشهد تحولًا متسارعًا في قطاع النقل الكهربائي، حيث أصبحت السيارات الكهربائية جزءًا مألوفًا من المشهد اليومي في الشوارع والمجمعات التجارية ومركبات التطبيقات، بعد أن تحولت من خيار محدود إلى بديل اقتصادي لدى شريحة واسعة من المواطنين، نتيجة انخفاض كلفة التشغيل مقارنة بسيارات البنزين والديزل.
وأشار إلى أن تطور تكنولوجيا البطاريات ساهم بشكل كبير في تعزيز الثقة بالمركبات الكهربائية، إذ أصبحت السيارات الحديثة قادرة على قطع مسافات تصل إلى نحو 600 كيلومتر بالشحنة الواحدة، إلى جانب تحسن سرعة الشحن وارتفاع عمر البطاريات وتراجع احتمالات الأعطال، فضلًا عن توسع مراكز الصيانة المتخصصة وارتفاع كفاءة الفنيين المحليين.
ولفت إلى أن البنية التحتية للشحن شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع انتشار محطات الشحن في عمّان والزرقاء وإربد والعقبة ومنطقة البحر الميت، إضافة إلى وجودها في مراكز تجارية ومحطات وقود وأحياء سكنية، ضمن توجه وطني لدعم النقل الأخضر وخفض الانبعاثات الكربونية.
وأكد أبو دية أن نجاح التحول نحو النقل الكهربائي لا يعتمد فقط على انتشار السيارات الخاصة، بل يتطلب أيضًا تحديث منظومة النقل العام، مشيرًا إلى أن مشروع الباص سريع التردد في عمّان يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، من خلال توفير نقل أكثر تنظيمًا واعتمادية وتقليل زمن الرحلات والازدحامات المرورية.
وأوضح أن أمانة عمّان بدأت بالفعل إدخال الحافلات الكهربائية ضمن منظومة الباص السريع عبر “المسار الأخضر”، وهي خطوة تحمل أبعادًا بيئية واقتصادية مهمة، نظرًا لقدرة الحافلات الكهربائية على تقليل الضجيج والانبعاثات وخفض كلفة التشغيل على المدى الطويل، خاصة في مدينة تعاني من كثافة مرورية مرتفعة.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك مقومات داعمة لهذا التحول، في ظل وجود فائض كهربائي وارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 30% من إنتاج الكهرباء، مع طموحات للوصول إلى 40% بحلول عام 2035.
ورغم ذلك، شدد أبو دية على وجود تحديات حقيقية أمام تحول عمّان إلى مدينة نقل كهربائي متكاملة، أبرزها الحاجة إلى تطوير الشبكات الكهربائية والمحولات لاستيعاب التوسع في محطات الشحن السريع، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالطبيعة الجغرافية الجبلية للعاصمة، والتي تزيد من استهلاك الطاقة للمركبات.
كما أشار إلى تحديات اجتماعية وتنظيمية، من بينها صعوبة الشحن بالنسبة لسكان العمارات السكنية الذين لا يمتلكون مواقف خاصة مجهزة، إلى جانب استمرار تردد بعض المواطنين بسبب المخاوف المتعلقة بالبنية التحتية أو مدة الشحن أو أداء البطاريات على المدى الطويل.
وأكد أبو دية أهمية ربط النقل الكهربائي بالطاقة المتجددة، موضحًا أن الأردن يمتلك إمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية، ما يتيح دمج شحن المركبات الكهربائية ضمن منظومة طاقة نظيفة ومستدامة، إلى جانب التوسع في مشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.
وختم أبو دية بالقول إن عمّان تسير تدريجيًا نحو مستقبل النقل الكهربائي، إلا أن تحقيق تحول متكامل يتطلب رؤية حضرية طويلة الأمد تشمل تطوير النقل العام الكهربائي، والبنية التحتية الذكية، والطاقة المتجددة، والتخطيط العمراني المستدام، بما يمكّن العاصمة خلال العقدين المقبلين من أن تصبح واحدة من أبرز مدن النقل الكهربائي في المنطقة.