التبليغ عن الاعتداءات يحمي الأطفال ويمنع تكرار الجرائم
تكثيف الدور التوعوي للإعلام في قضايا حماية القاصرين
في ظل تزايد النقاش حول سبل حماية الأطفال من الانتهاكات، يؤكد مختصون أن خط الدفاع الأول يبدأ من داخل الأسرة، عبر ترسيخ التربية الواعية وبناء علاقة قائمة على الثقة والأمان، بما يتيح للطفل التعبير عما يتعرض له دون خوف أو شعور بالذنب.
ويشير خبراء إلى أن تعزيز الوعي المبكر بمؤشرات الاستغلال الجسدي والنفسي، إلى جانب تعليم الأطفال آليات طلب المساعدة، يمثل ركيزة أساسية في الوقاية من الانتهاكات قبل وقوعها، خاصة في بيئات قد تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية اليومية مع احتمالات الخطر.
ويشدد مختصون في الجانبين القانوني والنفسي على أن حماية الأطفال لا تقتصر على البعد التشريعي، بل تتطلب بيئة آمنة تقوم على الإنصات والدعم وعدم إصدار الأحكام، بما يشجع الأطفال على الإفصاح والإبلاغ، ويحد من تأثير الخوف والوصمة الاجتماعية التي قد تدفعهم إلى الصمت.
وفي هذا السياق، يؤكد أمين عام المجلس الوطني لشؤون الأسرة، الدكتور محمد مقدادي، أن قضايا الاعتداء على الأطفال تستوجب التركيز على خطورة الفعل ذاته وآثاره على الضحايا والمجتمع، مشددًا على أن أي سلوك ينتهك خصوصية الطفل أو جسده هو سلوك غير سوي وغير مبرر تحت أي ظرف.
وأشار، في تصريح لـ(الرأي)، إلى أهمية عدم الانشغال بهوية الجاني أو مهنته بقدر التركيز على طبيعة الجريمة وخطورتها، حتى لا تتحول الأنظار عن جوهر القضية، لافتًا إلى أن أي طفل قد يتعرض لمثل هذه الانتهاكات في حياته اليومية، سواء أثناء استخدام وسائل النقل أو المشاركة في الأنشطة الرياضية أو التعامل مع أشخاص مختلفين.
وشدد على ضرورة توعية الأطفال والأسر بالسلوكيات المرفوضة وكيفية التصرف في حال التعرض لأي انتهاك، معتبرًا أن هذه الجرائم تعكس خللًا أخلاقيًا وقيميًا يتطلب وقفة جادة من مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.
وثمّن مقدادي جهود المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها إدارة حماية الأسرة والأحداث، لما تقوم به من عمل مهني في التعامل مع قضايا الاعتداء والانتهاكات بحق الأطفال، بما يسهم في حماية الضحايا ومحاسبة المعتدين.
وأكد أن التبليغ عن هذه الجرائم يمثل خطوة أساسية في حماية الأطفال ومنع تكرار الانتهاكات، موضحًا أن عدم الإبلاغ قد يمنح المعتدي شعورًا بإمكانية الإفلات من العقاب، ما يدفعه إلى تكرار سلوكه بحق ضحايا آخرين.
كما دعا وسائل الإعلام إلى تكثيف دورها التوعوي في تسليط الضوء على هذه السلوكيات غير السوية، وتعزيز وعي الأسر والأطفال بأهمية التبليغ وطلب الحماية، خصوصًا للأطفال الذين قد يمنعهم الخوف أو الخجل أو الأحكام المجتمعية من الإفصاح عما يتعرضون له حتى لأقرب الناس إليهم.
وشدد على أن وصمة العار لا يجب أن تلاحق الضحية أو الأسرة، بل الجاني وحده، داعيًا الأسر إلى عدم التردد في إبلاغ الجهات المختصة عند ملاحظة أي مؤشرات مقلقة تتعلق بأطفالهم، مؤكدًا أن مؤسسات الدولة والأجهزة القضائية قادرة على التعامل مع هذه القضايا بمهنية وعدالة، بما يضمن محاسبة المعتدين وعدم إفلاتهم من العقاب.
من جانبها، تؤكد المديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية، هديل عبد العزيز، أن القانون يجرم الاعتداء على الأطفال حتى في غياب الإكراه.
وأشارت، في تصريحها لـ(الرأي)، إلى ضرورة التعامل مع قضايا اغتصاب الذكور بالمستوى ذاته من الجدية والحماية القانونية الممنوحة للإناث، معتبرة أن هذه القضية تمثل إحدى أبرز الفجوات التشريعية القائمة.
وأوضحت أهمية تشجيع الأطفال على التبليغ دون خوف من الإجراءات القضائية، مع ضرورة توفير الدعم النفسي والقانوني لهم خلال مراحل التبليغ وطلب الحماية.
وشددت على أهمية التوعية الأسرية، وخلق بيئة آمنة يشعر فيها الأطفال بالطمأنينة للبوح بما يتعرضون له، بدلًا من الخوف من الوصمة المجتمعية أو التعنيف.
ولفتت إلى إشكالية التعامل مع كل قضية باعتبارها حالة فردية، مؤكدة ضرورة مراجعة أنظمة الحماية القائمة والثقافة المجتمعية التي تكرس لوم الضحايا.
من جانبها، تؤكد المستشارة النفسية والاجتماعية، الدكتورة أمينة التميمي، أن ثقة الأطفال بوالديهم ورغبتهم في البوح بمخاوفهم عند التعرض للتحرش أو أي شكل من أشكال الاعتداء ترتبط بالتربية الوالدية الواعية، التي تشكل خط الدفاع الأول والمنظومة الوقائية الأكثر فاعلية في حماية الأطفال.
وأشارت، في تصريحها لـ"الرأي»، إلى أهمية التثقيف الجسدي المبكر، وتعريف الطفل بقاعدة الجسد والحدود الشخصية، بما يمنحه وعيًا يساعده على التمييز بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة، ويكسر حاجز الخجل الذي يستغله المعتدون. وأوضحت أن جسور الثقة التي تبنى عبر سنوات من الإنصات غير المشروط والتفهم، هي التي تنقذ الطفل في حال تعرضه للاعتداء، لأن شعوره بأن والديه يمثلان الملاذ الآمن، لا مصدر العقاب، يسقط أدوات الابتزاز والترهيب التي يستخدمها المعتدي لإسكاته.
وأضافت أن ذلك يتحقق من خلال تفكيك ثقافة لوم الضحية، عبر طمأنة الطفل بأن الأهل يميزون بين الخطأ السلوكي الذي قد يستوجب العقاب، وبين التعرض للاعتداء الذي يتطلب الحماية والدعم.
كما أكدت أهمية التحقق العاطفي، من خلال استقبال بوح الطفل بالهدوء والاحتواء بدلًا من الصراخ أو الهلع، لأن ردود الفعل العنيفة، حتى وإن كانت بدافع الخوف، قد يفسرها الطفل على أنها غضب موجه نحوه، ما يدفعه إلى الانسحاب والصمت.
وشددت على ضرورة اتباع منهج التمكين بدلًا من الترهيب، عبر تعليم الطفل أن صوته مسموع، وأن حقه في قول «لا» مقدس، بما يعزز مناعته النفسية في مواجهة التهديد أو الابتزاز، ويجعله يدرك أن اللجوء إلى الأهل هو الطريق لاستعادة