شهدت سياسة العزل الانفرادي في السجون الإسرائيلية تحولاً غير مسبوق منذ السابع من تشرين الأول 2023، بعدما خرجت من إطار العقوبة الاستثنائية المحدودة إلى أداة مركزية للعقاب الجماعي بحق الأسرى الفلسطينيين، وفق معطيات موثقة صادرة عن مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان استناداً إلى أرقام رسمية من مصلحة السجون الإسرائيلية.
وتشير هذه المعطيات إلى تصعيد واسع في استخدام العزل طال حتى الأطفال والنساء، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المعتقلين وسياسات قمعية وصفتها منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية بأنها ترقى إلى جرائم حرب.
وتكشف الأرقام عن ارتفاع عدد الأسرى الخاضعين للعزل «العقابي» من 1845 أسيراً عام 2022 إلى 7807 أسرى عام 2024، أي بزيادة تقارب 300% خلال عامين فقط، ما يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة العقاب داخل السجون الإسرائيلية. كما شهد استخدام العزل بحق الأطفال الفلسطينيين تصعيداً غير مسبوق، إذ ارتفع العدد من طفل واحد فقط عام 2022 إلى 199 طفلاً عام 2024، في زيادة بلغت نحو 19800%، وهو ما يمثل انتهاكاً واضحاً للقوانين الدولية ومعايير «قواعد نيلسون مانديلا» التي تحظر العزل الانفرادي للأطفال وتعتبره شكلاً من أشكال المعاملة القاسية وغير الإنسانية.
ولم تكن النساء بمنأى عن هذه السياسات، إذ ارتفع عدد الأسيرات المحتجزات في العزل من حالتين فقط عام 2022 إلى 25 أسيرة عام 2024، في مؤشر على تشدد الإجراءات بحق مختلف الفئات داخل المعتقلات. وتشير المعطيات إلى أن سلطات الاحتلال انتقلت من استخدام «العزل الردعي» طويل الأمد بحق أعداد محدودة من الأسرى، إلى اعتماد العزل «العقابي» قصير المدة بشكل واسع ومنهجي، بحيث لا يتجاوز رسمياً 14 يوماً، لكنه يُستخدم بصورة جماعية للسيطرة على أعداد كبيرة من المعتقلين.
وترى مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان أن هذا التحول يرتبط بالاكتظاظ الحاد الناتج عن حملات الاعتقال الجماعي في قطاع غزة والضفة الغربية منذ تشرين الأول 2023، إلى جانب اعتماد العزل الجماعي كأداة للسيطرة والقمع داخل السجون في ظل ظروف وصفت بأنها لا تطاق. ورغم التركيز على العزل القصير، لا تزال هناك حالات موثقة لعزل مطول استمر لسنوات، من بينها طفل احتُجز في العزل لأكثر من ثلاث سنوات خلال 2022.
ولا يمكن فصل ملف العزل الانفرادي عن السياق الأوسع للانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، حيث كشفت تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية عن ممارسات تشمل التعذيب والإخفاء القسري والإهمال الطبي المتعمد.
ونشر تحقيق لصحيفة هآرتس، أعادت نشره مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان، تفاصيل مقتل أسير فلسطيني من غزة داخل مركز تحقيق تابع لـ الشاباك في كانون الثاني 2024، بعدما سقط من ارتفاع وهو مقيد اليدين، فيما أغلقت وزارة العدل الإسرائيلية الملف دون توجيه أي اتهامات رغم وجود مؤشرات طبية على تعرضه للتعذيب.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية إلى مقتل ما بين 94 و98 أسيراً فلسطينياً داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ بداية الحرب نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو سوء التغذية.
وتستخدم سلطات الاحتلال قانون «المقاتل غير الشرعي» لاحتجاز آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة في معسكرات عسكرية مغلقة دون تهمة أو محاكمة، في ممارسات وصفت بأنها «إخفاء قسري» جماعي، وسط تأكيدات من مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان بأن آلاف الفلسطينيين ما زالوا في عداد المفقودين ولا يعرف ما إذا كانوا أحياء أم أمواتاً.
وفي السياق ذاته، تتحدث تقارير صادرة عن اللجنة الفلسطينية لشؤون الأسرى عن تفشي الأمراض والأوبئة داخل السجون بسبب نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، فيما تحولت سياسة التجويع إلى أداة عقاب ممنهجة، كما في حالة الأسير وليد عبد الله أحمد (17 عاماً) الذي أعيد جثمانه إلى عائلته وقد بدا خالياً من الدهون والكتلة العضلية نتيجة سوء تغذية حاد وطويل الأمد.
ومن الناحية القانونية، تُعرّف «قواعد نيلسون مانديلا» العزل الانفرادي بأنه احتجاز المعتقل لمدة 22 ساعة أو أكثر يومياً دون تواصل بشري ذي معنى، وتحظر بشكل قاطع العزل المطول الذي يتجاوز 15 يوماً، إضافة إلى منع تطبيقه على الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
كما سبق للمقرر الأممي الخاص المعني بالتعذيب خوان مينديز أن حذر من أن العزل الانفرادي المطول قد يرقى إلى مستوى التعذيب النفسي أو المعاملة القاسية والمهينة.
وتوصي المبادئ التوجيهية الدولية التي شاركت في صياغتها مؤسسة أطباء لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب بوقف استخدام العزل الانفرادي كإجراء افتراضي لما يسببه من أضرار نفسية وجسدية بالغة.
وفي ظل تزامن العزل مع تقارير عن الإخفاء القسري والتعذيب ومنع زيارات الصليب الأحمر، ترى منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وبتسيلم أن هذه السياسات تمثل انتهاكاً صارخاً للمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف، وقد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب الملاحقة الدولية.
وتؤكد المعطيات أن العزل الانفرادي لم يعد مجرد إجراء تأديبي داخل السجون الإسرائيلية، بل تحول إلى نظام عقابي متكامل يهدف إلى السحق النفسي والجسدي للأسرى الفلسطينيين. فالتصعيد بنسبة 300%، واستهداف 199 طفلاً، وتزامن ذلك مع سياسات التعذيب والإخفاء والتجويع، يرسم صورة لنظام احتجاز خرج عن أي قيود قانونية أو أخلاقية، في ظل صمت دولي متواصل يثير مخاوف متزايدة من تكريس حالة الإفلات الكامل من العقاب.