في عمق الصحراء الشرقية، وتحديداً بين ثنايا محمية الأزرق المائية، يرتسم مشهدٌ بيئي متجدد يعيد للأذهان بريق واحدة من أهم الواحات الطبيعية في المنطقة.
فبينما واجه النظام البيئي للأزرق تحديات جسيمة على مدار عقود، تشهد المحمية اليوم تحولاً لافتاً، إذ باتت مسرحاً لظهور متزايد لطيور نادرة تُسجل لأول مرة، وملاذاً آمناً لأنواع استعادت طريقها إلى الواحة بعد غيابٍ امتد لأربعين عاماً.
وقال مدير محمية الأزرق المائية التابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة حازم الحريشة أن المحمية شهدت تسجيلات وطنية غير مسبوقة لتعود محمية الأزرق مسرحا لحدث بيئي استثنائي تمثّل في تسجيل هازجة القصب البصرية (Basra Reed Warbler)، أحد أندر طيور الشرق الأوسط والمصنّف عالمياً كنوع مهدد بالانقراض.
وأكد الحريشه في تصريح للرأي ان وجود هذا النوع في الأزرق شكّل محطة مفصلية في سجل الطيور الأردني، وأكد الأهمية الإقليمية للمحمية كملاذ حرج للأنواع الحساسة.
وبين الحريشه انه سُجّل في المنطقة هجين الصرد التركستاني، في سابقة تعد الأولى من نوعها، إلى جانب رصد غراب الزرع (Rook)، وهو من الطيور غير المعتادة في البيئات الصحراوية الشرقية، ما يعكس تنوعاً بيئياً غير متوقع.
ومن بين التسجيلات اللافتة أيضاً بحسب الحريشه، ظهور هازجة الأرز (Paddyfield Warbler)، التي تُعد من أندر الزوار في المنطقة، حيث تركزت مشاهداتها في الأزرق، ما منح الموقع خصوصية إضافية على خارطة الطيور المهاجرة.
و شهدت المحمية عودة طيور لم تُسجل منذ أكثر من أربعين عاماً، من بين هذه الأنواع زرزور الورد، الذي عرف بندرته الشديدة في الأردن، والحمام الخشبي الذي عاد للظهور بعد غياب طويل، في مؤشر على تحسن نسبي في الظروف البيئية.
كما رُصدت طيور نادرة أخرى مثل البومة قصيرة الأذن، والهازجة الصحراوية الآسيوية، والكروان الأوراسي، وكلها تُصنَّف كزوار غير منتظمين أو نادرين في المملكة.
وقال الحريشه ان من أبرز ملامح التحول البيئي في المحمية تسجيل حالات تعشيش غير مسبوقة على مستوى الأردن، شملت:
البط الكستنائي، أبو مجرف، البط البلبول الشمالي، في أول توثيق لتعشيشه محلياً وإقليمياً.
كما استمر تعشيش البط الخضاري بشكل منتظم خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كان يُنظر إليه سابقاً كزائر غير مستقر، ما يعكس توفر الحد الأدنى من المتطلبات البيئية للتكاثر.
وشهدت منطقة القاع والبرك المائية في الأزرق تجمعات ضخمة وغير مسبوقة لبعض الطيور، من بينها أكثر من خمسة آلاف فرد من طائر الحجوالة (Ruff) في موسم واحد، إضافة إلى أكبر تجمع مسجّل لـ البلشون الأرجواني في الأردن، وهو ما يعزز دور الأزرق كمحطة رئيسية للراحة والتغذية خلال الهجرة.
وبين الحريشه رغم التحديات المائية واعتماد المحمية على ضخ المياه، تثبت الأزرق قدرتها على الاستمرار كموقع حيوي للتنوع الحيوي، ومأوى لأنواع نادرة ومهددة.
هذه التطورات تؤكد أن الأزرق نظام بيئي حي وقادر على التجدد عند توفر الحد الأدنى من الحماية والإدارة الرشيدة، وتبرز محمية الأزرق كنموذج أردني وإقليمي يذكر بقيمة الطبيعة، وبأن حماية البيئات الهشة ضرورة لضمان بقاء هذا الإرث الطبيعي الفريد.