"التيهان"، أو التيه، من أخطر ما يواجه مرضى الزهايمر، حين يخرج المريض من منزله ولا يستطيع العودة، باحثاً أحياناً عن أماكن من الماضي لا تزال حاضرة في ذاكرته.
وهنا تختلط مشاعر القلق والخوف لدى المريض وعائلته، في لحظة قد تُغيّر حياة أسرة كاملة. من هذه اللحظة الإنسانية الصعبة، وُلدت مبادرة "EyeLocate"، كفكرة لا تنطلق من مختبر تقني فقط، بل من تجربة إنسانية عميقة هي الأولى من نوعها في الأردن والعالم.
وتقول عضوة الهيئة الإدارية وأمينة سر جمعية العون الأردنية لمرضى الزهايمر، لين المدانات، إن فكرة المشروع جاءت استجابة لواقع مؤلم يتكرر يومياً، حيث يبتعد العديد من المصابين بالخرف عن منازلهم، وغالباً بدون أي وسيلة تعريف، إضافة إلى عدم قدرتهم على التواصل، فيتم اعتبارهم مشرّدين في كثير من الأحيان، ما يعرضهم لمخاطر كبيرة، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى العثور عليهم في ظروف خطرة وفي بعض الحالات يعثر عليهم متوفين بعد فوات الأوان.
وتوضح أن التجربة الشخصية كانت حاضرة بقوة، إذ تم تشخيص والد إحدى المشاركات، السيد شبلي حجازي، بالخرف، وكان يحب الخروج يومياً، ورغم اتخاذ الأسرة جميع إجراءات الأمان، كان يجد طريقة للمغادرة، ليتيه عن طريق العودة، ما يضع العائلة في حالة قلق مستمر.
فريق عمل وشراكات
وتوضح المدانات أن المشروع جاء نتيجة جهود مشتركة وثمرة تعاون بين المجتمع المدني وقطاع التكنولوجيا ومديرية الأمن العام، وتشكل الفريق من بعض أعضاء الهيئة الإدارية في جمعية العون الأردنية لمرض الزهايمر، إلى جانب فريق تقني من مهندسين في شركتي "ناتهيلث" و"أيريسجارد" ووزارة الاقتصاد الرقمي ومديرية الأمن العام.
مشكلة إنسانية وحل تقني
وتشير المدانات إلى أن المشروع يسعى لحل مشكلة إنسانية، تتمثل في ضمان حق كل شخص مصاب بالخرف في أن يتم التعرف عليه وإعادته بأمان إلى عائلته، بدون الحاجة لحمل هوية أو تذكر بياناته الشخصية التي تشكّل تحدياً له.
وتوضح أن المبادرة تمكّن السلطات من التعرف على الأشخاص التائهين بسرعة، وإخطار عائلاتهم فوراً، بما يضمن لمّ شملهم بأمان.
لماذا مرضى الزهايمر؟
تبيّن المدانات أن التركيز على هذه الفئة جاء لكونها "الأكثر هشاشة"، بسبب طبيعة المرض الذي يصيب الخلايا العصبية في الدماغ ويؤثر على الذاكرة والسلوك والتفكير المنطقي والمشاعر، ما يجعل المرضى عرضة للمخاطر والاستغلال.
وتبين أن جمعية العون الأردنية لمرض الزهايمر، التي تأسست عام 2020 كجمعية خيرية غير ربحية مسجلة لدى وزارة التنمية الاجتماعية وتعمل تحت إشراف وزارة الصحة، تتمتع بالعضوية الكاملة في منظمة الزهايمر العالمية (ADI).
ويدير الجمعية هيئة إدارية بعضوية 7 أعضاء وترأسها فخرياً صاحبة السمو الملكي الأميرة منى الحسين، وهي جمعية متخصصة بتقديم الدعم ونشر التوعية بمرض الزهايمر، تهدف إلى تمكين هذه الفئة من العيش بكرامة وأمان، وتقديم الدعم والرعاية اللازمة لهم و لعائلاتهم.
كيف تعمل التقنية؟
وتشرح المدانات أن المبادرة تعتمد على مسح سريع وغير تدخلي لقزحية العين، للتعرف على الأشخاص التائهين وإعادتهم إلى أسرهم.
وتتم العملية من خلال تسجيل بيانات المريض عبر منصة الجمعية (AJAAD.jo)، وعند العثور عليه، تقوم الجهات الأمنية باستخدام جهاز آمن خاص لمسح القزحية (موجود فقط لدى مديريات الأمن العام)، ليتعرّف النظام عليه خلال ثوانٍ، حيث يتم ربط نمط القزحية الفريد بملفه الشخصي.
فإذا كان المريض مسجلاً بالجمعية، يتعرف النظام عليه فوراً، ويجري الاهتمام به حسب الأصول واسترجاع أرقام التواصل مع أفراد الأسرة المسجلين في حالات الطوارئ وعنوان المنزل من قاعدة البيانات المربوطة بالجمعية، ويتم فوراً إخطارهم وتزويدهم بموقع المريض لدى مديرية الأمن العام.
ما الذي يميز "EyeLocate"؟
وتوضح المدانات أن المبادرة تختلف عن الوسائل الأخرى مثل أجهزة التتبع والـ GPS أو الأساور الذكية التي لا غنى عنها، فـ "EyeLocate" تتميز بكونها وسيلة تعريف فورية وآمنة، حتى في حال عدم وجود أي جهاز مع المريض، مشيرة إلى أن وسائل التتبع التقليدية قد تفشل بسبب نفاد البطارية أو عدم توافر الإنترنت أو قيام المريض بنزعها.
أثر إنساني مباشر
وتؤكد المدانات أن المبادرة تساهم في إنقاذ المرضى من أخطر التحديات، وهو التيهان (أي كثرة الضياع)، من خلال التعرف عليهم بسرعة والتعامل معهم وفق حالتهم الصحية، وطمأنتهم حتى يتم إعادتهم إلى عائلاتهم. وتشير إلى أن هناك تجارب ميدانية موثقة لدى مديرية الأمن العام تثبت فعالية النظام.
ربط البيانات وأمانها
وتوضح أن البيانات يتم ربطها بقاعدة بيانات الجمعية، ويجري العمل على تخزينها في سحابة أورنج، بالتكامل مع مديرية الأمن العام، وتشدد على أن جميع المعلومات مشفّرة وسرية بالكامل، "فالحفاظ على السرية من أولويات مبادرة EyeLocate".
إطار قانوني داعم
وتشير المدانات إلى وجود إطار قانوني وتقني يدعم هذه التكنولوجيا في الأردن، من خلال اتفاقية بين وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وشركة "أيريسجارد"، التي اعتمدت بصمة العين كأحد المدخلات الأساسية في منظومة الهوية الرقمية.
فقد اعتمدت المملكة بصمة العين منذ عام 2008، وتم استخدامها رسمياً لتوثيق الهوية منذ عام 2016، ما يعني أن معظم المواطنين والمقيمين في المملكة لديهم بصمة عين مسجلة مسبقاً.
حجم المشكلة
وتلفت إلى كبر حجم المشكلة؛ حيث أن هناك تزايداً كبيراً في عدد الحالات، ناهيك عن عدم وجود إحصائية دقيقة للأشخاص المصابين بمرض الخرف بالأردن. والكثير من الحالات غير مشخّصة أو مسجلة أو معدودة بالضبط في الأردن ولا يوجد لدينا سجّل وطني لهم.
وتشير الدراسات إلى أن ما بين نصف إلى ثلثي مرضى الخرف قد يتيهون في مرحلة ما من المرض، فيما ترد للجمعية أسئلة من العائلات عن كيفية التعامل مع أهلهم أو أحبتهم الذين أصيبوا بالمرض والذين يحاولون الخروج من منازلهم والعودة إلى بيوتهم، وهم يقصدون بيوتهم القديمة التي تربوا فيها في صغرهم التي بقيت مخزّنة في ذاكرتهم بعيدة المدى.
تحديات قائمة
وتوضح المدانات أن المشروع واجه تحديات بعضها تقني، وقلة الإقبال على التسجيل لعدم الوعي أو فهم أهمية الموضوع أو خوفاً من الوصمة من الإعلان عن المصابين بالمرض ضمن العائلة.
ومن التحديات كذلك الحاجة إلى التمويل المستقبلي لدعم الاستمرارية وخاصة تمويل مكان حفظ البيانات، والحاجة إلى حملات توعية لنشر شرح المبادرة في المجتمع المحلي، إضافة إلى الحاجة للتمويل اللازم لتدريب العاملين وأمور الصيانة إلى جانب التحديات المجتمعية المرتبطة بالوصمة أو عدم معرفة العائلات بالمبادرة.
التوسع والرؤية المستقبلية
وتقول المدانات إن الجمعية تسعى إلى توسيع قاعدة البيانات وتشجيع العائلات على التسجيل وبناء سجل وطني يعكس حجم المرض في الأردن، إلى جانب إصدار بطاقات توفر مزايا وخدمات المسجلين بالجمعية للحصول على مزايا وخصومات من المراكز الطبية والمستشفيات والصيدليات والمختبرات التي سنوقع اتفاقيات معها قريباً والانتفاع من الأنشطة والدعم الممكن تقديمه للمرضى والعائلات ومقدمي الرعاية حتى تخفف من العبء المالي على العائلة.
وبصفتها مبادرة غير ربحية، لا نتوقع تحقيق إيرادات من هذا المشروع، حيث ينصبّ التركيز على الأثر الاجتماعي وتوفير الدعم والأمان وراحة البال.
وتعتقد أنه يمكن لهذه المبادرة أن تتوسع لتشمل فئات أخرى "ونحن الآن بصدد التعاون مع المجلس الأعلى لذوي الإعاقة"، مع استمرار البحث عن مصادر تمويل من خلال الشراكات والمنح والمسؤولية المجتمعية.
كما تأمل الجمعية بتأمين التكاليف التي تشمل الاستضافة السحابية، والصيانة، والأمن، والدعم، والبنية التحتية، وضمّ المستخدمين، والتدريب، والتحسينات المستقبلية.
وتأمل أن يتم تأمين هذه التكاليف بالتعاون مع الشركاء، إذ غطت شركة أورنج الأردن تكاليف السنة الأولى وبخصم للسنة الثانية والثالثة، كما يُتوقع تغطيتها من خلال مزيج من المنح، ومبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات والشراكات ودعم المانحين.
كما أن المجال واسع للاستثمار في هذه المبادرة وتطوير قاعدة البيانات لتشمل أسئلة أكثر تخدم مجالات البحث والتخطيط لتطوير الخدمات المقدمة للأشخاص الذين أصيبوا بمرض الخرف.
لذلك، عقدت الجمعية لقاءات مع وزير الصحة والمسؤولين المعنيين في هذا الشأن ومع المجلس الأعلى لذوي الإعاقة لبحث أوجه التعاون في المستقبل.
إنجاز يعزز الانطلاقة
وتشير المدانات إلى أن فوز المشروع بالمركز الثالث في "جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية" أسهم في تسليط الضوء على المبادرة، وشجّع على توقيع اتفاقية مع شركة أورنج الأردن لدعمها تقنياً ولوجستياً وتوسيع قاعدة البيانات.
رسالة إلى العائلات
وتختتم المدانات بقولها: "الوعي والتشخيص يساهم في تخفيف تدهور المرض، بادروا بالتواصل مع الجمعية وتسجيل أحبّتكم في "EyeLocate"، ونضمن سرية المعلومات.. فهذه مسؤولية مجتمعية تضمن حمايتهم وتسرّع من عودتهم الآمنة.. سجّل اليوم، لأن حمايتهم مسؤوليتنا جميعاً".