نتنياهو بين «الأمن الدائم» والهروب من المحاكمة

تاريخ النشر : الاثنين 12:20 11-5-2026
No Image

في خضم الحرب متعددة الجبهات التي شنتها إسرائيل، بدعم عسكري وسياسي من واشنطن منذ السابع من تشرين الأول 2023، يبرز سؤال مركزي حول الدوافع الحقيقية التي تقف خلف إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مواصلة الحرب وتوسيعها من غزة إلى جنوب لبنان وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.

فهل يتحرك نتنياهو بدافع مشروع إقليمي يسعى إلى إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وفرض الهيمنة الإسرائيلية، أم أن حساباته الشخصية المتعلقة بالبقاء في السلطة والتهرب من المحاكمة وتحويل «الأمن» إلى أداة سياسية هي المحرك الأساسي لهذه الحرب المفتوحة؟

قراءة مواقف محللين وأكاديميين إسرائيليين، إلى جانب متابعة التحولات السياسية والعسكرية داخل إسرائيل، تكشف أن الحرب تجاوزت منذ وقت طويل إطار «الرد العسكري»، لتتحول إلى عقيدة قائمة على الانتقام وفرض ما يسمى بـ”الأمن الدائم».

ففي تحليل نشرته صحيفة «هآرتس»، رأى الكاتب الإسرائيلي نير حسون، أن فهم سلوك الجيش والمجتمع الإسرائيلي خلال العامين والنصف الماضيين لا يمكن فصله عن نزعة الانتقام، مؤكداً أن حجم الدمار في غزة، والعنف المنظم في الضفة الغربية، وتدمير القرى في جنوب لبنان، لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات عسكرية، بل بمنطق انتقامي متجذر أصبح جزءاً من الثقافة السياسية والعسكرية السائدة.

هذا التحول لم يعد خطاباً هامشياً، بل بات يتجلى علناً على ألسنة سياسيين وإعلاميين وعسكريين، فقد تحولت عمليات الهدم الواسعة في غزة إلى ما يشبه «الرمزية البطولية» داخل المجتمع الإسرائيلي، فيما انتشرت مصطلحات مرتبطة بالتدمير المنهجي للمباني والأحياء السكنية.

كما ساهم إعلاميون ومحللون إسرائيليون في ترسيخ خطاب يعتبر أن «لا أبرياء في غزة»، ووصل الأمر إلى وصف الأطفال بأنهم «إرهابيون في حاضنات»، وهي تصريحات لم تعد تثير صدمة داخل المشهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي، بل أصبحت جزءاً من الخطاب السائد رسمياً وعلى لسان وزراء وأعضاء كنيست.

ويرى باحثون إسرائيليون أن الحرب الحالية تقوم على تزاوج خطير بين «الانتقام» و”الأمن الدائم». فوفقاً لدراسات قُدمت في مؤتمرات أكاديمية إسرائيلية، برز داخل المؤسسة العسكرية تياران رئيسيان: الأول تيار قومي ديني يعتبر الحرب مواجهة وجودية بين «الخير اليهودي» و”الشر المطلق»، والثاني يضم جنوداً من الطبقات الشعبية يوظفون العنف المفرط باعتباره تعبيراً عن القوة والتمرد وإثبات الهوية، وهو ما انعكس في مقاطع الفيديو التي وثقت عمليات التدمير الواسعة داخل غزة.

وفي هذا السياق، تشير الباحثة الإسرائيلية سارة هيلمان إلى أن الانتقام وحده لا يفسر حجم الاستهداف المنهجي للمدنيين، بل إن إسرائيل تبنت عملياً مفهوم «الأمن الدائم»، الذي يقوم على القضاء على أي تهديد محتمل، حتى لو كان متخيلاً أو مستقبلياً.

وضمن هذا المنطق جرى تبرير استهداف النساء والأطفال باعتبارهم «تهديداً أمنياً دائماً»، وهو ما تجسد في تصريحات علنية صدرت عن مسؤولين إسرائيليين وصفوا الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية»، في تجسيد واضح لخطاب يبرر جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

ويحذر محللون إسرائيليون من أن هذا المنطق أنتج «حرباً منفلتة العقال»، تقوم على دائرة لا تنتهي من العنف والانتقام المتبادل، حيث يتحول الانتقام نفسه إلى سبب دائم لتوسيع الحروب وفتح جبهات جديدة، كما حدث في جنوب لبنان ومع إيران.

في موازاة ذلك، يبرز البعد السياسي الشخصي لدى نتنياهو بوصفه عاملاً أساسياً في استمرار الحرب. فالمحلل الاستراتيجي الإسرائيلي يورام بيري يرى أن إسرائيل تحولت تدريجياً من «دولة ديمقراطية» إلى «دولة أمن قومي»، حيث يتم تحويل كل القضايا إلى تهديدات وجودية لتبرير الحرب المستمرة وتعزيز سلطة الحكومة التنفيذية.

ووفق هذا النموذج، نجحت حكومة نتنياهو في تسييس المؤسسة الأمنية، وتقويض أدوات الرقابة، وإضعاف القضاء والإعلام، بما سمح بتحويل «الأمن» إلى وسيلة لإعادة تشكيل الحياة السياسية الداخلية.

وتشير تقديرات إسرائيلية وأمريكية إلى أن استمرار حالة الحرب يخدم نتنياهو شخصياً في أكثر من اتجاه، فالحرب تؤجل عملياً محاكمته في قضايا الفساد، وتُبقي الرأي العام منشغلاً بالملف الأمني بدلاً من الأزمات الداخلية، كما تسمح بتهميش المعارضة واتهام المنتقدين بالخيانة تحت شعار «الوحدة الوطنية».

كذلك فإن أي وقف شامل للحرب أو التوصل إلى تسوية نهائية قد يؤدي إلى انهيار الائتلاف الحاكم، خاصة مع اعتماد نتنياهو على دعم أحزاب اليمين المتطرف التي ترفض أي تهدئة أو تسوية سياسية.

وترى أوساط إسرائيلية أن مشروع نتنياهو يتجاوز حدود «الدفاع الأمني» التقليدي، ليصل إلى محاولة إعادة ترتيب الإقليم عبر فرض وقائع جيوسياسية جديدة، تشمل تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وتوفير بيئات طاردة للفلسطينيين عبر الحرب والدمار، إلى جانب جر الولايات المتحدة نحو مواجهة أوسع مع إيران بما يعزز موقع إسرائيل الإقليمي.

لكن تطبيق سياسة «الأمن الدائم» في غزة وجنوب لبنان وإيران لم يحقق الاستقرار الذي وعدت به الحكومة الإسرائيلية، فبدلاً من تعزيز الأمن، أدى التدمير الواسع والقتل الجماعي إلى تعميق الكراهية وتوسيع دائرة الصراع، فيما تحذر تقديرات إسرائيلية من أن استمرار الحرب سيقود المنطقة إلى انفجار إقليمي أوسع.

كما تعكس استطلاعات الرأي داخل إسرائيل تراجع الثقة بالحكومة، رغم استمرار الدعم الشعبي للمؤسسة العسكرية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الإسرائيليين وقيادتهم السياسية.

وتبدو دوافع نتنياهو مزيجاً معقداً من الأهداف الشخصية والعقيدة الانتقامية ومشروع «الأمن الدائم». فالرجل يسعى إلى البقاء في السلطة وحماية ائتلافه الحاكم، مستفيداً من أجواء الحرب المفتوحة، فيما تدفع الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة باتجاه تصعيد مستمر يقوم على استهداف المدنيين وتوسيع دائرة العنف، غير أن هذه السياسة، بحسب محللين إسرائيليين، لن تحقق «النصر المطلق» الذي يتحدث عنه نتنياهو، بل ستنتج أجيالاً جديدة من الصراع، وتبقي إسرائيل والمنطقة بأكملها داخل دائرة مفتوحة من الحروب وعدم الاستقرار لعقود طويلة قادمة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }