لم يعد خيار الصحة الرقمية مجرد رفاهية، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية التوازن النفسي والجسدي للأفراد في ظل التسارع التقني الهائل الذي يشهده العالم.
وفي وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي يتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد 'الصحة الرقمية' مجرد مصطلح تقني، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء للحفاظ على التوازن النفسي والجسدي. ومع تسارع وتيرة التحول الرقمي.
و يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكننا الاستفادة من ثورة البيانات دون الوقوع في فخ الإجهاد التقني؟
وفي هذا السياق أكد عميد كلية تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسوب في جامعة اليرموك، الأستاذ الدكتور قاسم الردايدة، العالم يشهد اليوم تحولاً متسارعاً نحو مفهوم “الصحة الرقمية”، الذي أصبح أحد أبرز المحاور الحديثة في تطوير الأنظمة الصحية وتحسين جودة حياة الإنسان.
وأكد الردايدة أن التداخل بين تخصصات تكنولوجيا المعلومات والعلوم الصحية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لمواكبة التطورات العالمية وتحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وأوضح الدكتور الردايدة أن الصحة الرقمية تعتمد على توظيف التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، والتطبيقات الذكية، في خدمة القطاع الصحي، بهدف رفع كفاءة التشخيص والعلاج والمتابعة الطبية. وأضاف أن هذا التداخل بين علوم الحاسوب والعلوم الصحية أسهم في تطوير أنظمة السجلات الطبية الإلكترونية، وخدمات الاستشارات الطبية عن بُعد، والأجهزة القابلة للارتداء لمراقبة المؤشرات الحيوية، إضافة إلى استخدام الخوارزميات الذكية في دعم اتخاذ القرار الطبي.
وأشار الردايدة إلى أن الصحة الرقمية لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تنعكس بشكل مباشر على حياة الإنسان اليومية، حيث تسهم في تسريع الوصول إلى الخدمات الصحية، وتقليل الأخطاء الطبية، وتحسين دقة التشخيص، وتخفيف الضغط على المستشفيات، فضلاً عن تمكين المرضى من متابعة حالتهم الصحية بشكل مستمر. كما أن الحلول الرقمية تساعد في الوصول إلى المناطق البعيدة والنائية، وتوفير خدمات صحية أكثر عدالة وشمولية.
وبيّن الدكتور الردايدة أن جائحة كورونا شكّلت نقطة تحول عالمية في الاعتماد على الصحة الرقمية، إذ دفعت المؤسسات الصحية إلى تبني أنظمة العمل عن بُعد والتطبيب الإلكتروني بشكل واسع، ما عزز القناعة بأهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية الصحية، وتأهيل الكوادر القادرة على الدمج بين المعرفة التقنية والخبرة الطبية.
وعن واقع الأردن في هذا المجال، أكد أن المملكة حققت خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة، حيث شهد القطاع الصحي توسعاً في استخدام الأنظمة الإلكترونية والسجلات الطبية الرقمية، إضافة إلى إطلاق عدد من المبادرات الحكومية والخاصة الداعمة للتحول الرقمي في القطاع الصحي. كما بدأت الجامعات الأردنية بإدخال مساقات وبرامج تجمع بين تكنولوجيا المعلومات والعلوم الصحية، بهدف إعداد كوادر مؤهلة لقيادة هذا التحول مستقبلاً.
وأضاف أن الأردن يمتلك كفاءات متميزة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والقطاع الطبي، ما يمنحه فرصة حقيقية ليكون مركزاً إقليمياً في الصحة الرقمية إذا ما تم تعزيز التعاون بين الجامعات، والقطاع الصحي، والشركات التقنية، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار في هذا المجال.
وفي الختام ، شدد الدكتور الردايدة على أن مستقبل الرعاية الصحية سيكون رقمياً بشكل متزايد، وأن الاستثمار في الصحة الرقمية لم يعد ترفاً تقنياً، بل هو استثمار في صحة الإنسان وجودة حياته، مؤكداً أن التكامل بين التكنولوجيا والعلوم الصحية سيقود إلى خدمات أكثر كفاءة وإنسانية واستدامة في السنوات المقبلة.