«عير عميم» و«السلام الآن»: اعتداءات المستوطنين تتصاعد وسط حماية عسكرية
في ظل صمت دولي متواصل، تتسارع السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى فرض واقع جديد في القدس ومحيطها، عبر توسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين بصورة ممنهجة، في مشهد بات يتجاوز فكرة «تعميق السيطرة» إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية.
وكشف تقرير جديد صادر عن جمعيتي «عير عميم» و«السلام الآن» الإسرائيليتين، أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل سياسة منظمة تهدف إلى تفريغ القدس ومحيطها من سكانها الفلسطينيين وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وبحسب التقرير، فإن التحول الأخطر في الاستراتيجية الإسرائيلية ظهر بوضوح بعد الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث باتت عمليات التهجير القسري جزءاً مركزياً من مشروع الضم، مدعومة بغطاء عسكري وقانوني وسياسي، وسط عجز دولي عن وقف هذه السياسات.
ونقل التقرير عن الباحث الرئيسي أفيف تاتارسكي قوله إن الضم كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره تعميقاً للسيطرة على الأرض، إلا أنه بات اليوم يعني أيضاً تهجير السكان الفلسطينيين أنفسهم.
وأشار التقرير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو، منذ عودتها إلى الحكم عام 2022، صعّدت بشكل غير مسبوق من عمليات الاستيطان، إذ جرى الإعلان عن أكثر من 102 مستوطنة جديدة، فيما قدّرت منظمة «السلام الآن» أنه خلال عام 2025 فقط تم إنشاء 86 بؤرة استيطانية، معظمها رعوية وزراعية، بهدف السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية ومحيط القدس.
ويبرز مشروع «E1» شرق القدس بوصفه أخطر حلقات هذا المخطط، إذ يشكل تنفيذ المشروع ضربة قاصمة لأي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، فالمنطقة التي كانت مخصصة وفق اتفاقيات أوسلو لتكون امتداداً عمرانياً للدولة الفلسطينية وعاصمتها المستقبلية، يجري تحويلها إلى كتلة استيطانية ضخمة تربط مستوطنة «معاليه أدوميم» بالقدس، بما يؤدي عملياً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.
وفي كانون الأول 2025 أعلنت إسرائيل طرح مناقصة لبناء 3401 وحدة استيطانية في المنطقة، في خطوة اعتبرها مراقبون بمثابة إعدام نهائي لحل الدولتين.
وفي المقابل، تواجه العائلات الفلسطينية والبدوية المقيمة في المنطقة خطر التهجير القسري، مع تصاعد أوامر الهدم والإخلاء، فيما تبدو المحاكم الإسرائيلية عاجزة أو متواطئة في وقف هذه الإجراءات، كما حدث مع أصحاب المحال والمنشآت في منطقة العيزرية والمشتل، الذين رفضت طعونهم القضائية ضد قرارات الهدم.
وكشف التقرير كذلك عن استخدام الجيش الإسرائيلي «مناطق الرماية» والتدريبات العسكرية كوسيلة لانتزاع الأراضي الفلسطينية، في تناقض واضح مع الادعاءات الأمنية التي تطرحها إسرائيل أمام المحاكم.
ووفقاً لتحقيقات نشرتها صحيفة «هآرتس»، فإن الأراضي التي يُمنع الفلسطينيون من البقاء فيها بحجة التدريبات العسكرية، يجري لاحقاً تحويل أجزاء واسعة منها لصالح البؤر الاستيطانية والمستوطنين.
وتشير المعطيات إلى أنه بين عامي 2023 و2025 صدر نحو 140 أمر استيلاء على أراضٍ فلسطينية لأسباب أمنية، انتهى الأمر بتخصيص 81% منها لخدمة مشاريع استيطانية وشق طرق للمستوطنين.
ومنذ السابع من تشرين الأول 2023، تصاعدت أيضاً اعتداءات المستوطنين بصورة غير مسبوقة، وسط حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى تسجيل أكثر من 1800 اعتداء نفذه مستوطنون ضد الفلسطينيين، فيما أُجبر نحو 1697 فلسطينياً على النزوح خلال شهري 2026 وحدهما، وهو رقم يفوق مجمل حالات التهجير المسجلة طوال عام 2025.
كما تم إفراغ 38 تجمعاً فلسطينياً بالكامل من سكانه، ليرتفع عدد الفلسطينيين الذين اضطروا لترك منازلهم منذ بداية الحرب إلى نحو 36 ألف شخص، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء.
وفي قلب القدس المحتلة، تتخذ عمليات التهجير شكلاً آخر تحت عنوان «التجديد الحضري». ففي حي الشيخ جراح، كشفت خطط تقودها «سلطة تطوير القدس» عن مشروع لهدم نحو 40 منزلاً فلسطينياً في منطقة «كبانية أم هارون»، تمهيداً لبناء 316 وحدة استيطانية جديدة.
ويرى مراقبون أن ما يجري يمثل انتقالاً من محاولات استيطانية فردية إلى مشروع تهجير تقوده الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر، تحت غطاء مشاريع تنظيمية وعمرانية.
وأكد الباحث أفيف تاتارسكي، أن الرواية الإسرائيلية التي طالما قدمت ما يجري باعتباره نزاعات ملكية خاصة فقدت مصداقيتها بالكامل، مضيفاً أن الدولة الإسرائيلية نفسها باتت تقود عمليات التهجير واستبدال السكان الفلسطينيين بمستوطنين متطرفين تحت مسميات مختلفة.
وعلى الصعيد الدولي، ورغم تصاعد الانتقادات والتحذيرات الأوروبية والأميركية من مخاطر التوسع الاستيطاني، إلا أن هذه المواقف بقيت دون خطوات عملية رادعة.
فقد حذر 30 عضواً في الكونغرس الأميركي من خطورة استخدام المستوطنين للعنف ضد الفلسطينيين، كما دعا مئات الدبلوماسيين الأوروبيين السابقين بقيادة جوزيب بوريل إلى فرض عقوبات على إسرائيل بسبب سياساتها الاستيطانية، غير أن الحكومة الإسرائيلية واصلت تجاهل هذه الدعوات، وأعلنت المضي قدماً في مناقصات مشروع «E1» المقرر تنفيذها مطلع حزيران المقبل.
وترى منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية أن الموقف الأميركي يعاني من ازدواجية واضحة، إذ تترافق التحذيرات العلنية مع استمرار الدعم السياسي والمالي الذي تستفيد منه المنظمات الاستيطانية المتطرفة، الأمر الذي يجعل من القانون الدولي عاجزاً عن وقف عمليات الضم والتهجير.
ويحذر تقرير «عير عميم» من أن السياسات الإسرائيلية خلال عام 2026 قد تمتد إلى المناطق المصنفة «أ» و”ب» في الضفة الغربية، ما يفتح الباب أمام موجات تهجير أوسع قد تطال ملايين الفلسطينيين، في خطوة من شأنها تقويض السلطة الفلسطينية بشكل كامل وفرض واقع الضم الشامل على الأرض.
وفي ظل هذا المشهد، يرى مراقبون أن ما يجري في القدس والضفة الغربية لم يعد مجرد صراع على الأرض أو العقار، بل مشروع متكامل لإعادة رسم الخريطة الفلسطينية بالقوة، وسط استمرار الصمت الدولي وعجز المؤسسات الدولية عن فرض أي إجراءات حقيقية لوقف التوسع الاستيطاني والتهجير القسري.