يشهد المشهد في الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد بين تهديدات أمريكية متواصلة لإيران وحديث متزايد عن اتفاق وشيك قد يوقف الانزلاق نحو حرب شاملة.
وبينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاق تصريحات تتحدث عن «محو إيران من الخريطة»، تتحدث تسريبات أمريكية وإسرائيلية عن تفاهمات مؤقتة تمنح طهران فرصة لالتقاط الأنفاس بدل توجيه ضربة قاضية لها، ما أثار غضباً واسعاً داخل إسرائيل التي تعتبر أن نتائج المواجهة الحالية بعيدة تماماً عن الأهداف التي سعت لتحقيقها.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية عن مسؤولين في البيت الأبيض وأجهزة الأمن، فإن ما يجري ليس اتفاقاً نهائياً بقدر ما هو «هدنة هشة» أو «تجميد مؤقت» للعمليات العسكرية، خصوصاً في منطقة مضيق هرمز، مقابل خطوات إيرانية محدودة تتعلق بالملاحة والتفاوض.
وتشير التسريبات إلى أن الإطار المطروح يمنح مهلة تمتد ثلاثين يوماً للتوصل إلى اتفاق دائم، مع وجود بند يسمح بعودة الضربات العسكرية إذا انهارت المفاوضات أو أخلّ أحد الطرفين بالتفاهمات.
وتؤكد مصادر أمريكية أن المشروع المقترح يتضمن تجميداً لعمليات تخصيب اليورانيوم لفترة تتراوح بين 12 و15 عاماً، إلى جانب نقل جزء من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة إلى خارج إيران، مقابل الإفراج التدريجي عن أموال إيرانية مجمدة. إلا أن البنود المتعلقة بالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني بدت فضفاضة وغامضة، وهو ما أثار انتقادات إسرائيلية حادة، خاصة أن الاتفاق لا يتضمن تفكيك الترسانة الصاروخية الإيرانية ولا نزع سلاح حلفاء طهران في المنطقة، سواء في لبنان أو اليمن.
وتتعامل إسرائيل مع هذه التطورات باعتبارها «تراجعاً أمريكياً» عن الأهداف التي رُفعت منذ بداية التصعيد.
فبحسب تقديرات أمنية إسرائيلية، فإن الحرب لم تحقق هدف منع إيران بشكل نهائي من الوصول إلى قدرات نووية عسكرية، بل أجلت هذا الاحتمال لسنوات محدودة فقط. كما ترى تل أبيب أن البنية الصاروخية الإيرانية ما زالت قائمة إلى حد كبير، وأن شبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة بطهران لم تتعرض لضربة حاسمة.
وتنقل الصحف الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين ومحللين عسكريين حالة استياء عميقة داخل المؤسسة السياسية والأمنية، إذ تعتبر أن أي اتفاق يمنح إيران تخفيفاً للعقوبات وإفراجاً عن الأموال المجمدة سيؤدي عملياً إلى إنعاش الاقتصاد الإيراني وتثبيت النظام، لا إضعافه أو إسقاطه كما كان يأمل بعض المتشددين في إسرائيل.
ويرى بعض المعلقين الإسرائيليين أن ما يجري يشبه إلى حد بعيد نسخة معدلة من الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015، لكن بصيغة مختلفة وبسقف زمني أقصر.
في المقابل، ينقسم المحللون بشأن سلوك ترامب نفسه. فهناك من يرى أن الرئيس الأمريكي يتبع استراتيجية محسوبة تقوم على ما يُعرف بـ”تكتيك الجنون المتعمد»، وهي مقاربة نُسبت سابقاً إلى الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، وتعتمد على إرباك الخصم عبر الجمع بين التهديد والتفاوض في الوقت نفسه. ووفق هذا الرأي، فإن ترامب يتعمد خلق حالة من الفوضى الإعلامية والنفسية لدفع الإيرانيين إلى القبول بشروطه تحت ضغط الخوف من الحرب والانهيار الاقتصادي، مع محاولة تحقيق مكاسب سياسية داخلية عبر خفض أسعار النفط وتقديم نفسه كصانع سلام قبل الانتخابات.
في المقابل، يرى تيار آخر أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها مضطرة إلى التراجع عن خيار الحرب المفتوحة بعدما اكتشفت أن تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل ليس مهمة سهلة أو مضمونة، وأن حلفاء واشنطن في المنطقة لا يرغبون في الانخراط بحرب طويلة ومكلفة. وبحسب هذا التقدير، فإن ترامب يحاول الآن إعادة تسويق التهدئة باعتبارها «انتصاراً دبلوماسياً»، رغم أن الواقع يعكس تسوية مؤقتة تمنح إيران الوقت والمال والاعتراف السياسي، مقابل تأجيل الانفجار الكبير لا أكثر.
وتبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الهشاشة، حيث لم تنتهِ الحرب فعلياً، بل تحولت من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع سياسي ونفسي ودبلوماسي مفتوح، فكل طرف يحاول الظهور بمظهر المنتصر أمام جمهوره، فيما تبقى احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة، خصوصاً إذا انهارت التفاهمات الحالية أو شعر أحد الأطراف بأن ميزان الردع بدأ يميل ضده.