في مشهد يعكس تعقيدات الشرق الأوسط، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التقاط «صورة تاريخية» تجمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون في واشنطن، بهدف تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع ومكثف إعلاميًا.
إلا أن هذه الخطوة، التي وصفها مراقبون بأنها «محفوفة بالمخاطر»، تأتي في وقت تصف فيه مصادر عسكرية إسرائيلية الواقع الاستراتيجي في شمال إسرائيل وجنوب لبنان بأنه «أكثر تعقيدًا بكثير من نقطة انطلاق القتال»، وسط مأزق حقيقي تفرضه قيود ترامب واستفزازات حزب الله اليومية.
وفي تحليلها بصحيفة «هآرتس»، تحت عنوان «صورة نتنياهو وعون تساوي بالنسبة لترامب ألف صاروخ»، تكشف الكاتبة كسانيا سفتلوفا أن البيت الأبيض، إزاء مراوحة المفاوضات مع إيران وعدم قدرته على إقناع السعودية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، يسعى إلى إنجاز بديل.
لكن سفتلوفا، تحذر من أن هذه «الصورة» قد تكون قاتلة للرئيس اللبناني، إذ تأتي في وقت مبكر جدًا وفي ظروف صعبة، في ظل نزوح نحو مليون لبناني واستمرار القتال.
وتشير الكاتبة إلى ذكرى تاريخية مؤلمة، هي اتفاق 17 أيار 1983، الذي بدا ممتازًا على الورق لكنه انهار لاحقًا بسبب ردود الفعل العنيفة.
وتخلص إلى أن «صورة النصر» التي يسعى الرئيس الامريكي إلى تحقيقها قد تقوّض عملية حساسة بدأت للتو، وتعرض الرئيس عون لمخاطر مشابهة لما واجهه كل من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري والرئيس بشير الجميل، في ظل تهديدات مستمرة من حزب الله، الذي تحذر وسائل إعلامه يوميًا من أن أي لقاء مع نتنياهو يُعد «تجاوزًا للخطوط الحمراء».
وفي تحليل عسكري بصحيفة «إسرائيل اليوم»، تحت عنوان «إسرائيل في مأزق استراتيجي في لبنان»، يرسم العقيد احتياط كوبي مروم، قائد سابق للقطاع الشرقي في جنوب لبنان وخبير في الأمن القومي، صورة قاتمة للوضع على الأرض.
ويكشف مروم أن ترامب أوقف إطلاق النار في الجبهة الشمالية نتيجة ضغوط إيرانية مرتبطة بالمفاوضات، لكنه قيّد بشكل كامل حرية الجيش الإسرائيلي في التحرك في البقاع اللبناني وبيروت، وحصر الرد ضمن خط الليطاني، مضيفًا: «جاءت هذه الخطوة لأن ترامب يسعى إلى السلام في الشمال لاستكمال المفاوضات مع إيران، وإسرائيل مجبرة على الامتثال».
ويصف مروم، الوضع الحالي بأنه «فخ استراتيجي بالغ الخطورة»، في ظل استمرار إطلاق النار والطائرات المسيّرة المتفجرة يوميًا من قبل حزب الله، ما يتسبب بخسائر بشرية، مقابل محدودية الرد الإسرائيلي.
ويشير إلى أن الجيش اللبناني يعاني من ضعف بنيوي، إضافة إلى إشكالية حساسة تتمثل في أن نحو 40% من جنوده ينتمون إلى الطائفة الشيعية، ما يثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية في حال مواجهة مباشرة مع حزب الله.
ويقترح مروم، حزمة حلول تقوم على عدة عناصر، أبرزها: ضغط عسكري قوي ومستمر عبر رد حازم على معاقل الحزب ورفض تحويل الجنود والمستوطنات إلى أهداف يومية، إلى جانب تعزيز الجيش اللبناني عبر تطوير قيادته العسكرية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، إضافة إلى تشكيل قوة عربية متعددة الجنسيات تكون قادرة على المساعدة في تفكيك نفوذ حزب الله.
ويجمع التحليلان على أن إسرائيل والولايات المتحدة تراهنان على أن الضغط على إيران سيؤدي إلى إضعاف حزب الله، إلا أن مروم يحذر من أن استمرار تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي مقابل إتاحة مساحة للمفاوضات له ثمن باهظ يتمثل في مزيد من الخسائر البشرية.
في المقابل، ترى سفتلوفا، أن الحل الحقيقي لا يكمن في «مراسم البيت الأبيض»، بل في بناء مؤسسات دولة قوية، وهو ما يتطلب مسارًا هادئًا وطويل الأمد، يتناقض مع رغبة ترامب في تحقيق إنجاز سريع وملموس.