مخامرة: الحزمة الاستثمارية تدفع النمو وتخلق فرص عمل واسعة
دية: رسائل ثقة للأسواق والمستثمرين تسهم في تعزيز الاستقرار
الحدب: الاستثمارات المرتقبة تخفض كلف الإنتاج وتعزز تنافسية الصادرات
أكد خبراء اقتصاديون أن إعلان الحكومة عن ضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد الأردني خلال العام المقبل يمثل نقطة تحول نوعية في مسار النشاط الاقتصادي، ويعكس انتقال السياسات الاقتصادية من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة تحفيز النمو الحقيقي القائم على الاستثمار والإنتاج.
ولفت الخبراء في أحاديث لـ"الرأي" إلى أن توقيت الإعلان يحمل دلالات مهمة في ظل التحديات الإقليمية وتقلبات الاقتصاد العالمي، حيث إن ضخ استثمارات بهذا الحجم يبعث برسائل ثقة للأسواق والمستثمرين، ويسهم في تعزيز استقرار التوقعات الاقتصادية، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية عالمياً.
وعقد مجلس الوزراء جلسة يوم الأحد في محافظة إربد، برئاسة رئيس الوزراء جعفر حسان، وبحضور ممثلي الهيئات والفعاليات المحلية في المحافظة، وهي الثانية التي تُعقد في المحافظة.
وأكد رئيس الوزراء، خلال الجلسة، أن سير العمل في البرامج والمشاريع التي تضمنتها الخطة التنموية يسير ضمن ما هو مخطط له، مجدداً التزام الحكومة بتنفيذ جميع البرامج والمشاريع التي أُقرت في جلسة مجلس الوزراء الأولى التي عُقدت في المحافظة قبل قرابة عام.
ولفت رئيس الوزراء إلى أن برامج ومشاريع جديدة ومهمة للواقع التنموي في المحافظة تمت إضافتها بعد عقد لقاءات مع نواب المحافظة لتقييم سير العمل والإنجاز.
وفيما يتعلق بالتحديات الإقليمية والتأثير على الأوضاع الاقتصادية، أكد رئيس الوزراء أن الحكومة تسعى قدر الإمكان إلى المحافظة على سير الاقتصاد بشكل طبيعي، والاستمرار بالمضي قدماً في المسار الصحيح، والحفاظ على المؤشرات الإيجابية التي تحققت أخيراً، وفي مقدمتها أرقام النمو التي بلغت 3%، والتي نطمح لزيادتها، مشدداً على أن تركيز الحكومة سيبقى على الوضع الداخلي وكيفية تجاوز التحديات والاستمرار في بناء الاقتصاد رغم صعوبة الأوضاع الإقليمية.
وأشار في هذا الصدد إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تمضي الحكومة في تنفيذها، كمشروع سكة حديد ميناء العقبة، ومشروع الناقل الوطني للمياه، واللذين بدأت الحكومة إجراءات فعلية لتنفيذهما، إلى جانب مشروع خط غاز الريشة الذي سيبدأ العمل فيه مع نهاية العام الجاري، ومشاريع أخرى عديدة في قطاع الطاقة، ومشاريع الاستاد الدولي، والمركز الدولي للمعارض، والمدينة الترفيهية ضمن مشروع مدينة عمرة، وغيرها من المشاريع الأخرى التي ستفيد كل المحافظات وتحرك مختلف القطاعات.
ولفت إلى أن العام المقبل سيشهد، من خلال هذه المشاريع وغيرها، ضخ استثمارات ومشاريع استراتيجية في الاقتصاد الأردني ولأول مرة في تاريخ المملكة، مؤكداً أن هذا الحجم من الاستثمارات ستكون له عوائد على الاقتصاد الأردني وعلى فرص التشغيل، كما أن معظم هذه المشاريع ستكون بوجود استثمار أردني فيها وشراكة كاملة وطنية–أجنبية، مع فتح مجال الاكتتاب في بعض هذه المشاريع ليكون المواطن شريكاً فيها.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن الدلالات الاقتصادية لهذا التوجه كبيرة وإيجابية بشكل عام، مع وجود بعض التحديات المحتملة. كما يمثل إعلان رئيس الوزراء جعفر حسان ضخ استثمارات كبيرة في المستقبل بمثابة أكبر حجم استثمار معلن في تاريخ الأردن.
كما أضاف مخامرة بأن حجم الناتج المحلي الإجمالي (GDP) للأردن يُقدّر بحوالي 65 مليار دولار في 2026 (حسب تقديرات صندوق النقد الدولي)، وأن حجم استثمار كبير يمثل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي، وهو رقم ضخم ويمثل دفعة استثمارية كبيرة في حجم الاستثمارات في الأردن، كما أن هذا الاستثمار لا يُعتبر إنفاقاً حكومياً نقدياً مباشراً كاملاً من الموازنة، بل إجمالي استثمارات في مشاريع استراتيجية كبرى مثل سكة حديد ميناء العقبة، والناقل الوطني للمياه، وخط غاز الريشة، ومشاريع الطاقة والبنية التحتية وغيرها.
وأضاف أيضاً أن الدلالات الإيجابية الرئيسية لضخ هذه الاستثمارات تتمثل في تسريع النمو الاقتصادي، حيث إن النمو الحالي يتراوح ما بين 2.6–3%، وهذه الاستثمارات ستهدف إلى رفع نسب النمو بشكل أكبر، خاصة في عام 2027. كما أضاف مخامرة بأن المشاريع الكبرى ستحفز قطاعات متعددة مثل قطاع الإنشاءات، وقطاع النقل، وقطاع الطاقة، وقطاع المياه، والسياحة، وتخلق تأثيراً مضاعفاً في الاقتصاد.
وذكر أن دلالة أخرى تتمثل في خلق فرص عمل، حيث إن مشاريع البنية التحتية ستوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويُعتبر هذا عاملاً مهماً في ظل ارتفاع نسب بطالة الشباب. وعامل آخر يتمثل في تحسين البنية التحتية والإنتاجية، حيث إن مشاريع المياه والطاقة تقلل الاعتماد على الاستيراد وتحسن الأمن المائي والطاقي.
ولفت إلى أن مشروع سكة حديد العقبة يعزز اللوجستيات والتجارة. كذلك تساهم هذه الاستثمارات في تعزيز الشراكات والثقة، حيث سيتم التركيز على الشراكات الوطنية والأجنبية واكتتاب المواطنين في بعض المشاريع، مما يعزز الملكية الوطنية ويجذب رؤوس أموال خارجية ويدعم الاحتياطيات والعملة.
ومع ذلك، أشار مخامرة إلى وجود بعض المخاطر المحتملة، حيث إنه إذا تم الاعتماد على جزء كبير من هذا الضخ على الاقتراض الحكومي، فقد يزيد الدين العام الذي يتجاوز حالياً 118% من الناتج المحلي الإجمالي. ونصح مخامرة بأن يكون التمويل مزيجاً من استثمارات خاصة ومساعدات خارجية لتجنب الضغط على المالية العامة، كما أن النجاح يعتمد على التنفيذ الفعال ومكافحة الفساد والتأخير.
كما أضاف مخامرة بأن هذا التوجه استراتيجي وطموح ويعكس رغبة في الانتقال من نمو متواضع إلى دفعة تنموية حقيقية، مدعومة برؤية التحديث الاقتصادي، إلا أن النجاح يعتمد على جذب استثمارات خاصة حقيقية، والشفافية في التنفيذ، وإدارة المخاطر المالية.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن تعهد دولة رئيس الوزراء جعفر حسان بضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد الوطني خلال العام القادم، من خلال تنفيذ حزمة من المشاريع الكبرى التي أعلنت الحكومة عنها مسبقاً، وقامت بعمل شراكات مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي لبناء وتشغيل وإدارة تلك المشاريع الحيوية، سيكون له انعكاسات إيجابية عديدة على اقتصادنا الوطني.
وأضاف أن البدء بتنفيذ تلك المشاريع الاستراتيجية ونقلها من الورق إلى الواقع يُعتبر خطوة مهمة نحو الانتقال إلى اقتصاد منتج ومستدام وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية، والتدرج نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية كالطاقة والنقل والمياه.
ولفت إلى أن المشاريع الكبرى التي سيبدأ تنفيذها قريباً، ومنها الناقل الوطني، والذي تتراوح كلفته الإجمالية حوالي 5.8 مليار دولار، سيعمل على توفير أكثر من 300 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنوياً، والذي يُعوّل عليه الأردن كثيراً في الأمن المائي وإيجاد حلول مستدامة لمشكلة المياه في الأردن، وسيكون لهذا المشروع، الذي يُعد من أكبر المشاريع في العالم في قطاع تحلية المياه، أثر كبير على الاقتصاد الوطني.
وبيّن أن لمشروع سكك حديد العقبة، الذي تم التوقيع عليه مع الجانب الإماراتي وبكلفة إجمالية تتجاوز 2.3 مليار دولار، دوراً في ربط الميناء الصناعي في العقبة بمناجم الفوسفات والبوتاس في الشيدية وغور الصافي، والذي سيعمل على نقل أكثر من 16 مليون طن من هاتين المادتين سنوياً، مما سيقلل من كلف الإنتاج ويزيد من تنافسية الأردن في قطاع الصناعات التحويلية، وسيسهم في زيادة الصادرات. ويُعتبر هذا المشروع نواة لمشروع الربط السككي بين الأردن وسوريا وتركيا، وامتداداً لمشروع سكك الحديد الذي يربط دول الخليج بأوروبا، مما يسهم في جعل الأردن مركزاً لوجستياً وممراً برياً مهماً للمنطقة والعالم ونقطة وصل بين الشرق والغرب.
وأشار إلى أن وضع حجر الأساس لمشروع مدينة عمرة، والبدء بتنفيذ المرحلة الأولى بقيمة تتجاوز 400 مليون دولار، والسعي نحو جلب استثمارات لبناء المشاريع الرئيسية داخل المدينة، سواء كانت المدينة الرياضية وأرض المعارض وغيرها من مشاريع البنية التحتية، سيكون له أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي كبير على الأردن. ولفت دية إلى مشاريع الطاقة التي أعلنت الحكومة عن البدء بتنفيذها، سواء كان مشروع مد خط أنابيب الغاز لربط حقل الريشة مع أنبوب الغاز العربي، وكذلك استكمال إيصال الغاز إلى المصانع، والتوسع في حفر المزيد من آبار الغاز بكلف إجمالية تتجاوز مليار دولار، وسيكون لإقرار استراتيجية الطاقة للأعوام 2025–2035، كذلك بمشاريع طاقة متعددة، الأثر الكبير في تعزيز الأمن الطاقي وتقليل الكلف وزيادة تنافسية الاقتصاد.
وذكر أن كل تلك المشاريع، وهناك الكثير من المشاريع المتوسطة والصغيرة في قطاعات متعددة منها التعليم والصحة والبنية التحتية والنقل، ستسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وجلب تدفقات استثمارية جديدة، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، والمساهمة في تحسين الواقع المعيشي للمواطنين وتوفير فرص عمل جديدة للشباب.
أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن إعلان الحكومة عن ضخ استثمارات كبيرة في الاقتصاد الأردني خلال العام المقبل يمثل نقطة تحول نوعية في مسار النشاط الاقتصادي، ويعكس انتقال السياسات الاقتصادية من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة تحفيز النمو الحقيقي القائم على الاستثمار والإنتاج.
وأوضح الحدب أن هذا الحجم من الإنفاق والاستثمار، في حال تنفيذه بكفاءة، يعادل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، وهي نسبة مرتفعة تاريخياً، ما يعني أن الأثر المتوقع لن يكون مالياً فقط، بل هيكلياً يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية ويعيد تشكيل بنيتها الإنتاجية.
وأشار إلى أن الأهمية الحقيقية لهذه الحزمة لا تكمن في حجمها، بل في طبيعتها النوعية، حيث تتركز في مشاريع استراتيجية مثل النقل (سكة حديد العقبة)، والمياه (الناقل الوطني)، والطاقة (غاز الريشة)، وهي قطاعات تمثل اختناقات رئيسية في الاقتصاد الأردني. وأكد أن معالجة هذه الاختناقات ستنعكس مباشرة على خفض كلف الإنتاج، وتعزيز تنافسية الصادرات، التي سجلت نمواً تجاوز 10% خلال عام 2025.
وأضاف أن هذه المشاريع لا تقتصر آثارها على القطاعات المباشرة، بل تمتد عبر سلاسل القيمة إلى قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات، ما يعزز الأثر المضاعف للنمو داخل الاقتصاد، ويرفع من كفاءة الترابط بين الأنشطة الاقتصادية.
وبيّن الحدب أن هذا التوسع الاستثماري مرشح لأن يرفع وتيرة النمو الاقتصادي، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاعه من نحو 3% حالياً إلى ما بين 3.8% و4.5% خلال العامين المقبلين، في حال تحقق الأثر المضاعف للإنفاق، وهو ما سينعكس إيجاباً على سوق العمل، خاصة في ظل معدلات بطالة تدور حول 21%.
وأكد أن من أبرز نقاط القوة في هذا التوجه هو الاعتماد على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب فتح المجال أمام مشاركة المواطنين، ما يسهم في تعميق السوق المالي، وتوسيع قاعدة الملكية الاستثمارية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على تعبئة المدخرات المحلية وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.
كما أشار إلى أن توقيت الإعلان يحمل دلالات مهمة في ظل التحديات الإقليمية وتقلبات الاقتصاد العالمي، حيث إن ضخ استثمارات بهذا الحجم يبعث برسائل ثقة للأسواق والمستثمرين، ويسهم في تعزيز استقرار التوقعات الاقتصادية، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية عالمياً.
وأوضح الحدب أن الاستمرار في تنفيذ المشاريع الكبرى في هذه الظروف يعزز من مرونة الاقتصاد الأردني وقدرته على مواجهة الصدمات، لا سيما مع مؤشرات إيجابية تتعلق باستقرار التضخم وتحسن أداء القطاعات التصديرية والتجارية.
وأضاف الحدب أن هذه المشاريع الكبرى لا تقتصر أهميتها على البعد المحلي، بل تحمل رسائل اقتصادية واضحة لشركاء الأردن في دول الخليج العربي، مفادها أن المملكة تمضي بشكل جاد في الاستثمار بالبنية التحتية الاستراتيجية، بما ينسجم مع متطلبات مشاريع الربط الإقليمي، خاصة في مجالات النقل السككي والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، بيّن أن هذه الحزمة تعكس بشكل مباشر الرؤية الاقتصادية التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني، والتي تقوم على الانتقال نحو اقتصاد إنتاجي تنافسي يقوده القطاع الخاص، ضمن إطار رؤية التحديث الاقتصادي، مشيراً إلى أن ما تنفذه الحكومة حالياً يمثل تسريعاً عملياً لتنفيذ هذه الرؤية وتحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وهو ما يستحق التقدير في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.
وأضاف أن هذا التوسع الاستثماري، إذا ما رافقه تحسن في كفاءة التحصيل الضريبي وتوسيع القاعدة الإنتاجية، سيسهم في تخفيف الضغوط على المالية العامة وتقليل الاعتماد على الاقتراض، ما يعزز الاستقرار المالي على المدى المتوسط.
وختم الدكتور الحدب بالتأكيد على أن تعظيم الأثر الاقتصادي لهذه الاستثمارات يتطلب تسريع التنفيذ، ورفع كفاءة إدارة المشاريع، وربطها مباشرة بخلق فرص العمل، مؤكداً أن نجاح هذه المرحلة سيشكل نقطة انطلاق حقيقية لإعادة هيكلة الاقتصاد الأردني نحو نموذج أكثر إنتاجية واستدامة، بما ينعكس على مستويات الدخل ويعزز من تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستقر خلال السنوات المقبلة.