في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، يواصل معهد تدريب مهني مؤاب أداء دور محوري في تمكين الشباب والشابات، من خلال تأهيلهم بمهارات عملية تواكب احتياجات سوق العمل، وتحويلهم من باحثين عن فرص إلى عناصر منتجة قادرة على بناء مستقبلها المهني. ويبرز المعهد كنموذج وطني فاعل يسهم في تقديم حلول واقعية لمشكلة التشغيل، رغم ما يواجهه من تحديات مجتمعية تتعلق بالنظرة السلبية لبعض المهن.
ويؤكد مدير المعهد المهندس ماهر البطوش أن المؤسسة تخرّج سنوياً أعداداً من الشباب الذين تمكنوا من تحقيق نجاحات ملموسة في مجالاتهم، أكان عبر الالتحاق بوظائف مباشرة أو من خلال تأسيس مشاريعهم الخاصة، ما يعكس جودة التدريب ومدى ارتباطه باحتياجات السوق.
وتظهر هذه النجاحات من خلال نماذج متعددة؛ حيث يعمل يامن محمد سالم المحادين، خريج في تخصص الحلاقة الرجالية عام 2025، في أحد صالونات الحلاقة. بينما اختارت نبال إبراهيم كريم الحجوج، خريجة الطباعة باستخدام الحاسوب، العمل من منزلها عبر مشروع خاص.
كما التحقت نبأ عبد السلام محمد الطراونة، خريجة الحلاقة النسائية، بسوق العمل في صالون للسيدات، فيما حصلت هبة حامد الجعافرة على وظيفة مُدخلة بيانات في جمعية شقيرا – ذات راس.
وتمكنت الفرات شوقي النوايسة من إطلاق مشروعها المنزلي في التطريز اليدوي، في حين نجح إيهاب الطراونة في تأسيس كراج متخصص بصيانة كهرباء السيارات في مؤتة.
ورغم هذه النماذج الناجحة، ما تزال بعض التحديات تعيق توسع الإقبال على التدريب المهني، وبخاصة في المهن التقليدية مثل الحدادة والنجارة، نتيجة ارتفاع كلفة تأسيس المشاريع وضعف العائد المادي في بعض المناطق، إضافة إلى محدودية فرص التشغيل في ظل غياب الصناعات الكبرى في محافظة الكرك، وهو ما ينعكس على فرص استيعاب الخريجين.
وفي مواجهة هذه التحديات، يواصل المعهد تطوير برامجه التدريبية لتشمل مجالات حديثة ومتجددة تلبي احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية، مثل صيانة السيارات الهجينة والزراعة المائية والتجميل والمهارات الرقمية والخياطة والتطريز وحاضنات الأطفال. كما تم إدخال التكنولوجيا الحديثة في العملية التدريبية، من خلال استخدام أجهزة متطورة لتشخيص الأعطال، وتقنيات الواقع الافتراضي، ومنصات التدريب عن بُعد، إلى جانب دمج مفاهيم الريادة والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج التدريبية، بما يعزز من جاهزية الخريجين وقدرتهم على المنافسة.
وتبرز قصة الشابة نبأ عبد السلام محمد الطراونة كنموذج إنساني يعكس أثر التدريب المهني في تغيير مسار الحياة، حيث تمكنت من اكتساب مهارات متقدمة في مجال الحلاقة النسائية، ما أتاح لها الالتحاق مباشرة بسوق العمل وتحقيق دخل مستقر، مع طموح مستقبلي لتأسيس مشروعها الخاص.
ويعكس هذا النموذج ما يوفره التدريب المهني من فرص حقيقية للتمكين الاقتصادي، وبخاصة في قطاعات واعدة مثل التجميل، الذي يشهد إقبالاً متزايداً من قبل الفتيات نظراً لمرونته وإمكانية العمل فيه داخل الصالونات أو من خلال مشاريع منزلية.
وفي قراءة اجتماعية، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور مراد المواجدة أن «ثقافة العيب» لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه انخراط الشباب في بعض المهن، نتيجة ترسخ مفاهيم تقلل من قيمة العمل اليدوي.
ويؤكد أن تطوير التعليم المهني وربطه بالتكنولوجيا الحديثة يسهم في تغيير هذه النظرة وتعزيز مكانة العمل المهني في المجتمع.
ويرى مختصون أن تطوير هذا القطاع يتطلب تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتوفير فرص تدريب وتشغيل، وتنفيذ حملات توعية مهنية مستمرة، إضافة إلى إيصال البرامج التدريبية إلى المناطق البعيدة، وتقديم حوافز مالية للمتدربين، وعقد لقاءات دورية مع أصحاب العمل لتحديث البرامج بما يتلاءم مع متطلبات السوق.