في زمن تتعدد فيه التحديات وتتشابه فيه الفرص عند كثيرين، تبقى بعض القصص قادرة على كسر القوالب المعتادة، وتقديم معنى مختلفاً للإرادة الإنسانية. قصة لا تقاس فيها الإمكانات بما يفقد، بل بما يكتسب رغم الصعاب، ولا تختصر فيها الحياة بالحدود، بل تفتح على احتمالات أوسع من القيود.
من داخل معهد التدريب المهني في السلط، تبرز حكاية سيدة كفيفة اختارت أن تواجه فقدان البصر ببصيرة أخرى، صنعت منها طريقا للمهارة والإنتاج.
السيدة الكفيفة لم تتعامل مع إعاقتها كعائق، بل كاختبار لقدرتها على التحدي، فحولت النول والخيط إلى مساحة للحياة، وغزلت من الصوف قصة نجاح حقيقية تجاوزت حدود المكان، لتصل إلى حيث يصبح العمل هو اللغة الأصدق للإنجاز.
المعهد يولي ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث لا يستقبل الأصحاء فقط، بل ذوي الإعاقات البسيطة، ويعمل على دعمهم نفسيا ومهنيا، وإشعارهم بأنهم أفراد فاعلون ومنتجون في المجتمع، ومساعدتهم على الاندماج وفتح أبواب رزق لهم.
ولا يقتصر الانتساب إلى برامج المعهد على الفئات العمرية الصغيرة، بل يشمل أيضا حملة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، الذين يقصدونه لتعزيز مهاراتهم أو لاكتساب مهن جديدة تفتح أمامهم فرص عمل إضافية، في ظل متغيرات سوق العمل.
يؤكد مدير المعهد، الدكتور زيدان النشيوات، أن المعهد يتبنى نهجا قائما على التدريب من أجل التشغيل، من خلال مواءمة برامجه مع احتياجات سوق العمل، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين العام والخاص، بما يضمن تأهيل المتدربين وتهيئتهم للانخراط المباشر في سوق العمل، وتحويل مخرجات التدريب إلى فرص عمل حقيقية.
ويشير النشيوات إلى أن عدد الملتحقين للعام التدريبي 2025–2026 بلغ نحو 450 طالبا، في مؤشر واضح على تزايد الإقبال على التعليم المهني.
وبيّن أن المعهد يعتمد نظاما تدريبيا متكاملًا يقوم على ستة أشهر تدريب داخل المعهد، تليها ستة أشهر تدريب ميداني، بهدف ربط التدريب بسوق العمل بشكل مباشر. كما يمتلك المعهد بنك معلومات يتم من خلاله توزيع الخريجين على المعاهد والمؤسسات والوزارات، بما يعزز فرص التشغيل.
وفيما يتعلق بنسب التشغيل، أشار النشيوات إلى أن تخصص الصناعات الدوائية يحقق نسبة تشغيل تصل إلى 99%، وهي من أعلى النسب، فيما تبلغ نسبة التشغيل في باقي التخصصات نحو 80%، وهو ما يعكس جودة التدريب وارتباطه الفعلي باحتياجات السوق.
ويضم المعهد مجموعة من التخصصات المهنية، من أبرزها الصناعات الدوائية، والخزف والفخار (بما في ذلك الدولاب الفخاري)، والتبريد والتكييف، والنسيج (النول والحياكة)، والخياطة، ضمن مشاغل مجهزة تحاكي بيئة العمل الحقيقية.
في تخصص الصناعات الدوائية، يتم تدريب نحو 35 طالبًا سنويًا داخل مشاغل تحاكي مصانع الأدوية المحلية، حيث يتعلم الطلبة تصنيع الأدوية الصلبة (الحبوب)، مع توجه مستقبلي لتدريبهم على إنتاج الأدوية السائلة، وقد خرّج المعهد كوادر متميزة في هذا المجال، على ايدي مدربين متخصصين احمد الكوز و ابراهيم غيظان.
أما في قسم الخزف تقول مدربة الخزف نعمة الرشيدي لدينا في وحدة إنتاج الطين، تبدأ العملية من المادة الخام المستخرجة من مصادر محلية، من ماعين في محافظة مادبا ومنطقة العارضة في السلط، وتمر عبر عدة مراحل تصنيع وأجهزة داخل المعهد، حتى تتحول إلى مادة الصلصال الجاهزة للتشكيل، ليقوم المتدربون بإنتاج قطع خزفية مميزة وزخرفتها، بعد ساعات تدريب والعمل على الدولاب حيث يتلقون تدريبهم على ايدي أمهر المدربين على مستوى المملكة.
ويتيح القسم للراغبين من الأفراد والمؤسسات طلب مشغولات خزفية متنوعة، مثل المزهريات والفناجين وغيرها، بأسعار تفضيلية، دعما للإنتاج المحلي وتشجيعا للحرف اليدوية. كما يقدم القسم دورات تدريبية لطلبة المدارس، من خلال التعاون والتعاقد مع النوادي الصيفية، بهدف تعريفهم بهذه الحرفة وتنمية مهاراتهم الفنية.
وفي مشغل النسيج، الذي تشرف عليه المدربة نجود الدرادكة، تتنوع المنتجات بين الشالات ومفارش الطاولات (الخفيفة)، والبُسط والجداريات (الثقيلة)، في بيئة إبداعية أتاحت للأصحاء وذوي الاحتياجات الخاصة والتوحد إبراز قدراتهم، حيث أبدعوا في الألوان والقياسات بشكل لافت، وتم تدريب ما يقارب 40 إلى 45 حالة توحد بالتعاون مع الأكاديمية الأردنية للتوحد ومركز الأمل.
كما ينفذ المعهد دورات تدريبية ميدانية للسيدات في المناطق الأقل حظا، مثل منطقة الصبيحي، نظرا لصعوبة المواصلات، حيث يتم إيصال التدريب إليهن مباشرة، في خطوة تهدف إلى تمكين المرأة اقتصاديًا.
وفي قسم الخياطة، بإشراف المدربة إسراء الحياري، يتم تدريب الطالبات ضمن برنامجين، الأول لتعليم أساسيات الخياطة باستخدام ماكينة الدرزة، والثاني برنامج متقدم لإعداد خياط نسائي ماهر، باستخدام أحدث ماكينات الخياطة التي تحاكي المصانع. ويقوم القسم كذلك بخياطة الأعلام الأردنية التي يتم توزيعها على المعاهد والمؤسسات الحكومية والوزارات بمناسبة عيد الاستقلال، وجميعها من إنتاج الطالبات.
أما في قسم التبريد والتكييف، فيتلقى الطلبة تدريبا عمليا يؤهلهم للعمل مباشرة في صيانة الأجهزة المنزلية ويقول المدرب ليث ابو عليا إن الطلاب يتلقون التعليم في المعهد ويتدربون في كبرى الشركات والتي يحصلون فيها على فرص عمل فيما بعد.