على بعد نحو 190 كيلومتراً إلى الجنوب من العاصمة عمان، وفي قلب الانحدارات المهيبة للجبال الوردية الشاهقة بمحافظة الطفيلة، تنبثق "حمامات عفرا" المعدنية كأعجوبة طبيعية وتظاهرة جيولوجية فريدة، حيث تعانق ما يزيد على 15 نبعاً جوفياً حاراً يتفجر من باطن الأرض ليرسم لوحة استشفائية نادرة.
هذا الموقع الذي يكرس مكانته كواحد من أهم وأعرق وجهات السياحة العلاجية في الأردن ومنطقة الشرق الأوسط يجمع بين سحر الطبيعة البكر وخصائص الاستشفاء الفريدة، بات اليوم يشهد حراكاً سياحياً لافتاً وتدفقاً للزوار من كافة المحافظات الأردنية ومن الجاليات العربية، بفضل انفراده خصاصئه العلاجية والجمالية والتنظيم الإداري للموقع، مما مزج القيمة التاريخية للمكان بالخدمات العصرية، وجعلها مقصداً لا يغيب عن أجندة الباحثين عن الهدوء والسكينة والجمال الطبيعي والعلاج الذي تزخر به المنطقة من مياه عذبة وتنوع حيوي لافت للطيور البرية النادرة.
وتتشابك في الموقع تلك الينابيع الحارة، لترسم لوحة طبيعية تدفع الزائر للاستلقاء داخلها بحثاً عن الاسترخاء؛ حيث يشعر المرء للوهلة الأولى التي يسقط فيها بدنه في الماء برعشة دافئة يعقبها شعور عميق بالراحة أكدها كل من زار عفرا.
أما الكهف الذي حبا الله به المكان؛ فيعتبر من الطقوس الواجبة عند الزيارة، حيث يدخل الزائر إلى تجويف صخري مليء بالبخار الكثيف المتطاير من المياه الحارة المتدفقة من جوفه، وينحدر مشياً لأسفله ليعثر في نهاية المشوار على تدفق غزير لمياه تنهمر فوق جسده كدفقات طبيعية ساخنة، فيبقى تحتها حتى يكتفي قبل إكمال برنامجه الترفيهي داخل المرافق المتعددة.
وأكد رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية ورئيس جمعية أبناء ضانا السياحية، عامر الخوالدة، أن الجمعية تتسلم تشغيل الموقع ، موضحا أن "عفرا" تمتاز بشهرتها الواسعة التي تدفع الباحثين عن العلاج والإستجمام للذهاب إليها، حيث يأخذك المكان إلى روعة الخالق وإبداعه، وان الجمعية ساهمت في وضع التنظيم الإداري المتميز من خلال فرق عمل ميدانية تشرف على التنظيم والنظافة وكافة الخدمات السياحية للزوار وبأقل الأسعار وأجودها.
وأشار مشرف في الموقع، صلاح الزرقان، إلى أن سياسة الأسعار التشجيعية تهدف لجعل السياحة متاحة للجميع، حيث تبلغ رسوم الدخول ديناراً واحداً فقط، والمبيت 3 دنانير، مع توفر شاليهات صغيرة وكبيرة بأسعار تتراوح بين 25 إلى 35 ديناراً لليوم الكامل.
وأكد السائح محمد الطراونة أنه يزور الموقع منذ سنوات طلباً للاستشفاء لمفاصل قدمي والدته، مشيراً إلى تحسن حالتها واختفاء الآلام فور وضع قدميها في المياه، فيما أشاد السائح أحمد القطاونة بحسن الاستقبال والهدوء، واصفاً زيارته برفقة عائلته الخميس الماضي بأنها كانت جلسة استثنائية بين أحضان الطبيعة وبأسعار تنافسية تناسب الدخل المحدود.
وقال أبو محمد من الجالية المصرية إن زوجته كانت تعاني من ألام في مفاصل قدمها منذ سنوات، وراجعت أطباء في جمهورية مصر العربية إلا أنه لم تجد العلاج الشافي والكامل إلا بعد ان زارت موقع حمامات عفرا العام الماضي، حيث وجد لزوجته في تلك المياه ضالته العلاجية.
وتدعم هذه التجارب دراسات علمية أثبتت احتواء مياه عفرا على عناصر معدنية تسهم في علاج الروماتيزم المزمن، وزيادة إفراز حمض البوليك المسؤول عن علاج النقرس وتيبس العضلات وفقر الدم والالتهابات النسائية وتأهيل الإصابات الرياضية.
وتبقى حمامات عفرا المعدنية شاهدًا حيًّا على عظمة الخالق في جمال الطبيعة في محافظة الطفيلة، ووجهةً لا غنى عنها لمن يطلب الشفاء أو ينشد السكينة بين أحضان الجبال، ليجعل هذا المزيج الفريد بين المياه الحارة الغنية بالمعادن، وبين التضاريس الساحرة والأسعار التي في متناول الجميع من زيارتها تجربةً إنسانية وعلاجية لا تُنسى.
ومع استمرار الجهود لتجاوز التحديات اللوجستية وتطوير الموقع، تظل "عفرا" جوهرةً تتلألأ في جنوب الأردن، بانتظار كل باحث عن دفء الأرض ونقاء الروح، لتؤكد من جدي