عيد العمال في العقبة… البحر يشهد على إرث الصيادين واستمرار عطاءهم

تاريخ النشر : الخميس 04:08 30-4-2026

في عيد العمال، حيث تُروى كثير من حكايات الكدّ من خلف المكاتب وخطوط الإنتاج، هناك على ضفاف شاطئ العقبة، يكتب الصيادون قصة مختلفة، لا تُرى تفاصيلها إلا مع أول خيط ضوء يلامس شاطئ خليج العقبة، وفي الأول من أيار يعود الصيادون مجدداً للصيد بعد توقف موسمي.

هناك، يبدأ يوم العمل قبل أن يستيقظ كثيرون، حين يخرج الصياد محمّلاً بما ورثه عن أبيه وجدّه، خبرة البحر، وحدس الريح، وصبرٌ لا يُقاس بساعات.

أمين سر الجمعية التعاونية صيادي ثغرة الأردن الزراعية، غازي معروف، تحدث للرأي بصوت من عاش المهنة لا من وصفها، فيقول إن الصيد بالنسبة لهم ليس وظيفة، بل حياة كاملة تتوارثها الأجيال، هو نفسه، رغم دراسته الجامعية ومواصلته لمرحلة الماجستير، لم يستطع أن ينفصل عن البحر، لأن والده كان صياداً، واليوم يعمل هو وابنه معه أيضاً، في سلسلة ممتدة من الانتماء لا تنقطع.

وأشار معروف أن قطاع الصيد في العقبة اليوم يضم 163 قارب صيد مسجلاً، يعمل منها فعلياً حوالي 110 قوارب، فيما تتوزع البقية بين الصيانة أو خارج الخدمة أو ظروف ملكية مختلفة. أما عدد الصيادين المرخصين احترافياً فيبلغ نحو 200 صياد، منهم حوالي 150 مسجلين فعلياً ضمن الجمعية التعاونية، إضافة إلى ما يقارب 50 إلى 60 صياداً من أبناء الصيادين يمارسون المهنة دون تصاريح احترافية وفق التعليمات الحديثة.

هذه المهنة، كما قال، لا تُكتسب بقرار، بل تُبنى مع الزمن، منذ الطفولة، حين يتعلم الصغير كيف يقرأ اتجاه الرياح، ويعرف مواطن السمك، ويميّز بين البحر الهادئ والخطر، ويُدرك أن ركوب الموج ليس مغامرة، بل مسؤولية.

يبدأ يوم الصياد مع شروق الشمس وينتهي مع غروبها، رغم أن التعليمات تسمح بالصيد الليلي، إلا أن كلفته العالية تجعله خياراً صعباً، إذ يتطلب تجهيزات متقدمة كالرادار وأنظمة الملاحة والإضاءة البحرية، وهي معدات لا يملك معظم الصيادين القدرة على توفيرها. لذلك، يظل النهار هو المساحة الوحيدة للعمل، يستيقظ الصياد فجراً، يجمع الطعوم، خاصة الحية منها، وهي واحدة من أكبر التحديات اليومية، ثم ينطلق إلى البحر وقد حدّد مسبقاً نوع السمك الذي يستهدفه والموقع الذي يقصده، أحياناً يعطيه البحر رزقه مبكراً، فيعود قبل الظهر ليبيع صيده طازجاً، وأحياناً يظل حتى آخر النهار، وقد يعود بما لا يغطي حتى كلفة رحلته.

المهنة، كما وصفها معروف، ليست فقط شاقة، بل محفوفة بالمخاطر، فارتفاع الأمواج، واشتداد الرياح، والعمل في عرض البحر، كلها تحديات يومية، إلى جانب الإصابات التي قد تحدث أثناء استخدام أدوات الصيد أو التعامل مع بعض أنواع الأسماك.

ومع ذلك، يحاول الصيادون التخفيف من هذه المخاطر من خلال التنسيق المستمر مع القوة البحرية الملكية الأردنية والهيئة البحرية الأردنية، حيث يتم تزويدهم بالنشرات الجوية بشكل مسبق، وتوجيههم لتجنب المناطق أو الأوقات الخطرة.

لكن التحدي الأكبر لم يعد فقط في البحر، بل على الشاطئ أيضاً. خلال السنوات الأخيرة، تقلّصت مناطق الصيد بشكل ملحوظ نتيجة التوسع في الأنشطة السياحية والاقتصادية، ما حرم الصيادين من كثير من الشواطئ، خاصة الضحلة منها، والتي كانت تُعد من أهم مصايد الأسماك ومصادر الطعوم.

وبين معروف إلى أن التعليمات التنظيمية التي صدرت عام 2020، ورغم أهميتها في حماية الثروة السمكية، كان لها أثر مباشر على تقليص عدد العاملين في القطاع، إذ اشترطت التفرغ الكامل لمهنة الصيد للحصول على تصريح احترافي، ما دفع كثيرين ممن كانوا يزاولون الصيد إلى تركه بحثاً عن دخل أكثر استقراراً.

فالصياد، كما يقول، قد يخرج إلى البحر وينفق على الوقود والمستلزمات، ثم يعود بخسارة، أو بدخل بسيط لا يتجاوز بضع دنانير، وفي أحيان أخرى قد يحقق مردوداً جيداً، لكن هذه الحالة من عدم الاستقرار تجعل الوظيفة الثابتة خياراً أكثر جذباً.

ورغم كل ذلك، يلتزم الصيادون بقرارات إغلاق مواسم الصيد، التي تُطبق سنوياً للحفاظ على الأسماك المتوطنة وإتاحة الفرصة لها للتكاثر، خاصة في المياه الضحلة، وخلال هذه الفترة، يُمنع الصيد في تلك المناطق، ويُسمح فقط بصيد الأسماك المهاجرة في المياه العميقة، ويُمنح الصياد الذي يلتزم بعدم الإبحار تعويضاً شهرياً، إلا أن هذا التعويض، كما يؤكد معروف، لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة، ومع ذلك يلتزم به الكثيرون إيماناً منهم بأهمية استدامة البحر.

واستعاد معروف صورة الماضي، حين كان الصيادون يبحرون خارج المياه الإقليمية، في قوارب كبيرة، ويقضون في البحر عشرة أو عشرين يوماً، ليعودوا بحمولات تصل إلى طنين أو ثلاثة أطنان من السمك. اليوم، تقلّصت المساحات، وتراجع الإنتاج، وانخفض الدخل، ما دفع كثيرين إلى ترك المهنة، تاركين خلفهم إرثاً مهدداً بالاندثار.

ورغم أن الجمعية التعاونية للصيادين تمثل المظلة القانونية لهم، وتقوم بدور حلقة الوصل مع الجهات الرسمية، وتتابع إصدار التصاريح وتنقل مطالب الصيادين، إلا أن إمكانياتها المالية محدودة، نظراً لأن أعضائها من ذوي الدخل المحدود، ومع ذلك، تحاول الجمعية تطوير بعض المشاريع والاستثمارات البسيطة لتحسين واقع الصيادين، بدعم من جهات مانحة ساهمت في توفير مرافق وخدمات، من بينها مواقع لتسويق السمك، في محاولة لفتح أفق جديد لهذا القطاع.

وفي عيد العمال، لا يطلب صيادو العقبة الكثير، رسالتهم بسيطة، لكنها عميقة: أن يُنظر إليهم كجزء أصيل من هذا الوطن، وأن يُحافظ على البحر الذي هو مصدر حياتهم، يدعون كل من يزور البحر أن يتركه نظيفاً، كما يحب أن يجد أي مكان يزوره، فالبحر بالنسبة لهم ليس مجرد مساحة زرقاء، بل بيتٌ مفتوح، ورزقٌ يومي، وذاكرة ممتدة، ولسان حالهم يقول "إحنا كصيادين بنآمن بشغلة وحدة… طالما بحرنا بخير، إحنا بخير".

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }