حل اقتصادي لتأمين تدفق التجارة والطاقة
خطوة نحو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية
تخفيض كلف النقل ورفع تنافسية الاقتصاد الأردني
اجمع خبراء اقتصاديون أن التنسيق الأردني-السعودي لتعزيز الربط السككي يأتي في إطار جهود إقليمية متسارعة لتطوير البنية التحتية للنقل، خاصة بعد الأحداث الإقليمية الأخيرة واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، والذي يهدف كذلك إلى تحويل الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين والمنطقة.
ولفت الخبراء في أحاديث لـ«الرأي» إلى أن التنسيق الأردني–السعودي لتعزيز الربط السككي يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز كونه مشروع نقل، ليشكل خطوة عملية لإعادة تموضع الأردن ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وعقد أمين عام وزارة النقل فارس أبو دية، الاثنين، اجتماعاً تنسيقياً مع وكيل وزارة النقل السعودية للنقل السككي المهندس بدر عبدالله الحجيلان، عبر الاتصال المرئي بمشاركة وفدين فنيين من الجانبين، لبحث سبل تعزيز التعاون في مشاريع السكك الحديدية وتطوير الربط الإقليمي بين البلدين.
وأكد أبو دية أن الاجتماع يأتي في إطار حرص الجانبين على دفع مسارات التكامل في قطاع النقل، مشيراً إلى أهمية مشاريع الربط السككي في دعم حركة التجارة وتسهيل انسياب البضائع بين البلدين والمنطقة.
واستعرض الجانب السعودي أبرز مشاريعه، بما في ذلك «قطار الشرق» و"قطار الشمال» الواصل إلى الحدود الأردنية، إضافة إلى جاهزية منطقة القريات للربط السككي، فيما عرض الجانب الأردني ملامح مشروع الشبكة الوطنية للسكك الحديدية وأولويات تنفيذه.
وناقش الطرفان عدداً من القضايا الفنية واللوجستية، أبرزها توحيد المواصفات الفنية وتبادل الدراسات والوثائق ذات العلاقة، بما يعزز كفاءة التنفيذ ويضمن تكامل المشاريع، كما تم الاتفاق على استمرار التنسيق وتبادل المعلومات دعماً لمشاريع الربط السككي المشترك، وبما يعزز من التكامل الإقليمي في قطاع النقل.
وأكد الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة أن التنسيق الأردني-السعودي لتعزيز الربط السككي يأتي في إطار جهود إقليمية متسارعة لتطوير البنية التحتية للنقل، خاصة بعد الأحداث الإقليمية الأخيرة واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، والذي يهدف كذلك إلى تحويل الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي وتعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين والمنطقة.
كما أضاف مخامرة بأن هناك دلالات رئيسية لهذا التنسيق تتمثل في تعزيز التجارة والتكامل الاقتصادي، حيث إن مشاريع الربط السككي تسهل حركة البضائع والسلاسل الإمدادية بين الأردن والسعودية، وتقلل من الاعتماد على النقل البري التقليدي الذي يكون أكثر تكلفة ويأخذ وقتاً طويلاً. كما يدعم ذلك حركة التجارة الثنائية والإقليمية، ويربط موانئ خليجية سعودية مثل موانئ المنطقة الشرقية بالأردن، مما يفتح أسواقاً أوسع نحو أوروبا والمتوسط عبر سوريا وتركيا.
وبيّن أن دلالة أخرى تتمثل بدور الأردن كجسر لوجستي إقليمي، حيث يحاول الأردن تعزيز موقعه كممر بين الخليج والشام وأوروبا. كما أن التنسيق يشمل دراسة روابط عبر معابر حدودية مثل العماري (مع السعودية) والجابر، بالإضافة إلى مشاريع داخلية أردنية مثل سكة العقبة لربط مناطق التعدين بالميناء.
وأشار إلى أن أبرز الدلالات كذلك إحياء فكرة سكة حديد مستوحاة من سكة حديد الحجاز لكن بطابع حديث تجاري، حيث من المتوقع إنجاز الدراسات المشتركة الأردنية والسعودية والسورية قبل نهاية 2026، لربط شبكة السكك السعودية التي تصل إلى الحدود الأردنية بتركيا عبر الأردن وسوريا.
كما أضاف مخامرة بأنه في ظل التوترات الإقليمية الحالية، يُنظر إلى السكك الحديدية كوسيلة لتعزيز المرونة اللوجستية وتقليل المخاطر على سلاسل الإمداد. كما يعكس التنسيق تقارباً سعودياً-أردنياً قوياً في مجال النقل، ويتناغم مع رؤية السعودية 2030 ورؤية الأردن الاقتصادية للتحول إلى مركز إقليمي.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن الأحداث الحالية التي تشهدها المنطقة، والتي فرضت واقعاً جديداً على قطاع النقل والشحن، دفعت حكومات المنطقة للبحث عن بدائل للممرات البحرية التقليدية وتأثرها المستمر بالأحداث العالمية، وخاصة بعد تداعيات أزمة البحر الأحمر سابقاً وإغلاق مضيق باب المندب، وصولاً إلى أزمة مضيق هرمز وما ترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية خطيرة على دول المنطقة والعالم.
وأشار دية إلى أنه، وفي ضوء ذلك، بدأت الأردن والسعودية وسوريا وتركيا بالبحث لإحياء خطوط سكك الحديد وإعادة تفعيل الربط السككي المشترك، لما له من أهمية كبيرة في دعم حركة التجارة والنقل واستدامة سلاسل الإمداد والتوريد ومرور الصادرات وعبور البضائع، وإيجاد بدائل للمضائق البحرية، وبما يضمن استمرارية تدفق إمدادات الطاقة.
وذكر أن الأردن يسير اليوم بثبات نحو تحقيق التكامل الاقتصادي مع دول المنطقة عبر إنشاء منظومة نقل متكاملة، ليكون الأردن مركزاً لوجستياً وحلقة ربط بين الشرق والغرب، وذلك من خلال تنفيذ مشاريع مشتركة في قطاع النقل وسكك الحديد، والتي بدأت من مشروع سكك حديد العقبة، الذي تم توقيع اتفاقية تنفيذها مع الجانب الإماراتي لربط الميناء الصناعي على خليج العقبة بمناجم الفوسفات والبوتاس في الشيدية وغور الصافي، بحجم استثمار تجاوز 2.1 مليار دولار، ليكون هذا المشروع نواة لمشاريع الربط السككي بين دول المنطقة، والذي جاء أيضاً بعد توقيع الأردن وسوريا وتركيا على اتفاقية الربط السككي.
ولفت إلى أن للتنسيق الأردني السعودي المشترك في مجال الربط السككي، والذي يهدف إلى ربط موانئ الخليج العربي على خليج عمان والبحر الأحمر بموانئ العقبة، مروراً بموانئ سوريا على البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا والعالم، دوراً مهماً في تنفيذ مشاريع الربط السككي ووجودها على أرض الواقع، والانتقال من الرؤية إلى التنفيذ.
وأشار إلى أن مشاريع النقل والربط السككي ذات أهمية بالغة في زيادة النمو الاقتصادي للدول المشاركة في تلك المشاريع الاستراتيجية، وكذلك زيادة حجم التبادل التجاري وتقليل كلف الشحن، بما ينعكس على زيادة تنافسية الصادرات ووصولها إلى دول العالم.
وبيّن دية أن التحديات الاقتصادية التي فرضتها الحروب والصراعات في المنطقة والعالم تتطلب منا تكثيف الجهود لتنفيذ المشاريع الكبرى، وخاصة في القطاعات الرئيسية كالطاقة والمياه والنقل، والأردن قطع شوطاً مهماً في تنفيذ تلك المشاريع، وهذا سيكون له تداعيات إيجابية كثيرة على الاقتصاد الوطني من حيث تدفقات الاستثمار الأجنبي وزيادة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع الصادرات الوطنية وتقليل نسب البطالة وغيرها من الآثار الإيجابية، وهذا يدفعنا لإنجاز تلك المشاريع وإزالة كافة العقبات وتذليل الصعاب والدخول بشراكات إقليمية ودولية لتنفيذ مشاريعنا الكبرى، وبما يضمن تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة الأردن في الإقليم كواحة أمن ومركزاً لجذب الاستثمارات وموقعاً مهماً لحركة التجارة العالمية.
وأكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن التنسيق الأردني–السعودي لتعزيز الربط السككي يمثل تحولاً استراتيجياً يتجاوز كونه مشروع نقل، ليشكل خطوة عملية لإعادة تموضع الأردن ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وأوضح الحدب أن هذا المشروع يكتسب أهمية متزايدة مع التوجه نحو استكمال الربط السككي مع تركيا مروراً بالأردن وسوريا، ما يضع المملكة في قلب ممر بري إقليمي يربط الخليج العربي بالأسواق الأوروبية، ويعزز من دورها كمحور لوجستي في المنطقة.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تمتلك بنية لوجستية متقدمة، حيث تصل الطاقة الاستيعابية لموانئ البحر الأحمر إلى أكثر من 17 مليون حاوية سنوياً، إلى جانب تطويرها لمبادرات المسارات اللوجستية، ما يعزز قدرتها على أن تكون مركزاً إقليمياً لإعادة توجيه التجارة، وهو ما يمنح الأردن فرصة ليكون الامتداد البري لهذا الدور.
وبيّن الحدب أن الربط السككي لم يعد خياراً تنموياً، بل ضرورة اقتصادية في ظل التحديات التي تواجه الممرات البحرية، حيث تسهم هذه المشاريع في خفض كلف النقل بنسبة تتراوح بين 15% إلى 25%، وتقليص زمن الشحن، وزيادة كفاءة سلاسل التوريد.
وأضاف أن الأثر المباشر لهذا المشروع سيظهر في التجارة الثنائية بين الأردن والسعودية، والتي بلغت نحو 4.18 مليار دينار في عام 2025 (ما يعادل نحو 5.9 مليار دولار)، منها 1.23 مليار دينار صادرات أردنية مقابل 2.95 مليار دينار مستوردات من السعودية.
وأوضح أن خفض كلف النقل حتى بنسبة 10% إلى 20% سيعزز تنافسية الصادرات الأردنية في السوق السعودية والخليجية، ويسهم في تقليص العجز التجاري، إلى جانب زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.
وأكد الحدب أن الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في زيادة حجم التجارة، بل في إعادة تعريف دور الأردن اقتصادياً، حيث يمكن أن يتحول من ممر عبور تقليدي إلى مركز إقليمي لإعادة التوزيع والتخزين والتصنيع، ما يرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن هذا التحول سيسهم في زيادة إيرادات الترانزيت والخدمات اللوجستية، وجذب استثمارات في قطاع النقل والتخزين، وتطوير مناطق صناعية مرتبطة بالممر، وخلق فرص عمل نوعية.
كما لفت إلى أن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه ميزة نسبية في هذا المشروع، خاصة مع الربط المتوقع مع سوريا وتركيا، ما يعزز فرص اندماجه في شبكة تجارة إقليمية واسعة.
وأكد الحدب أن البعد السياسي لهذا التنسيق لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، حيث يعكس مستوى عالياً من التكامل بين الأردن والسعودية، ويعزز الاستقرار الإقليمي، وهو ما ينعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين وبيئة الأعمال.
وأضاف أن هذه الخطوة تنسجم مع رؤية جلالة الملك في تحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى ميزة تنافسية، وربط السياسة بالاقتصاد لتحقيق نمو مستدام.
وختم الحدب بالتأكيد على أن الربط السككي الأردني–السعودي يمثل فرصة استراتيجية تاريخية، تتطلب تسريع التنفيذ واستثمارها بالشكل الأمثل، لما لها من أثر مباشر في زيادة الصادرات، وتقليل الكلف، ورفع معدلات النمو، وتعزيز مكانة الأردن كمركز لوجستي إقليمي.