تعيش المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة حساسة يمكن وصفها بـ"التآكل دون حرب»، حيث تتقاطع الضغوط السياسية والاقتصادية مع حسابات القوة الإقليمية دون الوصول إلى اختراق حقيقي.
ففي الوقت الذي طرحت فيه طهران مقترحاً يهدف إلى تخفيف التوتر في مضيق هرمز عبر فصل الملف البحري عن النووي، تبدو واشنطن غير مقتنعة بجدوى هذا الطرح، معتبرة أن جوهر الأزمة يكمن في البرنامج النووي ولا يمكن تجاوزه.
المقترح الإيراني، الذي يقوم على تأجيل مناقشة الملف النووي مقابل فتح المضيق ورفع الحصار البحري، قوبل بتحفظ أمريكي واضح.
إدارة دونالد ترامب ترى أن أي تفاهم لا يتضمن قيوداً صارمة على القدرات النووية الإيرانية قد يمنح طهران مكسباً استراتيجياً دون مقابل حقيقي.
وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على ضرورة أن يضمن أي اتفاق منع إيران بشكل قاطع من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي، مع الإقرار بأن المقترح الإيراني يحمل بعض الإشارات الإيجابية، لكنه لا يزال يفتقر إلى المصداقية الكافية.
في موازاة ذلك، تبرز إسرائيل كعامل مؤثر وحاسم في مسار هذه المفاوضات، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها، إذ يُنظر إلى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو باعتباره قادراً على تعطيل أي اتفاق لا يتوافق مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تقوم على مبدأ «صفر قدرات» نووية لإيران، وليس مجرد تجميد مؤقت للتخصيب.
كما ترفض تل أبيب أي اتفاق جزئي قد يمنح طهران شرعية دولية أو متنفساً اقتصادياً، وتستند في ذلك إلى نفوذها داخل المؤسسات السياسية الأمريكية، بما في ذلك الكونغرس وجماعات الضغط.
المشهد الحالي يعكس حالة اختبار متبادل: إيران تقدم عروضاً تكتيكية تركز على أوراق الضغط مثل المضيق، بينما ترد الولايات المتحدة بحذر، رافضة الفصل بين الملفات الأساسية.
وفي ظل هذا الجمود، يتجه الطرفان نحو نمط «لا سلام ولا حرب»، حيث لا يرغب أي منهما في تقديم تنازل يُفسَّر كضعف. فواشنطن تواصل سياسة الضغط عبر الحصار، فيما تعتمد طهران على تكتيكات الاستنزاف التدريجي، من خلال التحرشات البحرية وفرض حالة من الغموض العملياتي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في هذا السياق، اكتسب مضيق هرمز أهمية غير مسبوقة كورقة تفاوضية، إذ تسعى إيران إلى فرض نوع من الاعتراف بدورها السيادي فيه، سواء عبر ترتيبات مشتركة مع سلطنة عمان أو من خلال مقترحات اقتصادية كفرض رسوم عبور.
غير أن هذه الطروحات قوبلت برفض أمريكي حاسم، ما يعكس حساسية المضيق كممر استراتيجي عالمي لا يمكن إخضاعه لمعادلات إقليمية ضيقة.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المفاوضات من زاوية مختلفة، إذ لا يقتصر قلقها على فشلها، بل يمتد إلى احتمال نجاحها بشكل جزئي.
فالاتفاق المرحلي، من وجهة نظرها، قد يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز مكانتها الإقليمية دون تفكيك قدراتها العسكرية، وهو ما تعتبره تهديداً مؤجلاً أكثر خطورة من التصعيد الحالي.
تتزامن هذه التطورات مع مؤشرات على تراجع مكانة إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي، خصوصاً بين فئة الشباب، ما قد يؤثر مستقبلاً على هامش تحركها السياسي في واشنطن. كما تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحديات داخلية متزايدة، من بينها أزمة ثقة وضغوط نفسية متصاعدة داخل صفوف الجنود، ما يعكس حالة استنزاف متعددة الأبعاد.
وتبدو المفاوضات متجهة نحو سيناريو «الاستنزاف المتبادل»، حيث تغيب فرص التوصل إلى اتفاق شامل في المدى القريب بسبب الفجوات العميقة في الملفات الأساسية، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم والسيادة على المضيق.
ومع ذلك، فإن توازن الضغوط الاقتصادية والعسكرية، إلى جانب التحركات الإقليمية التي تقودها قوى مثل تركيا وباكستان، قد يدفع الأطراف نحو صيغة وسط، تتمثل في اتفاق مرحلي أو تفاهم غير معلن يعيد رسم قواعد الاشتباك، دون أن ينهي جذور الصراع.