في ظل التصعيد الجيوسياسي المتواصل في المنطقة، خصوصًا في محيط مضيق هرمز، تشهد أسواق الطاقة العالمية اضطرابات حادة وغير مسبوقة انعكست بشكل مباشر على أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلاله على مختلف الاقتصادات، ومنها الأردن الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة. وفي هذا السياق، تتباين قراءات الخبراء بين تحليل المخاطر العالمية وتقييم الاستجابة الحكومية وانعكاساتها على الاقتصاد الأردني.
يؤكد خبير الطاقة ومدير البرامج والتخطيط في معهد السياسة والمجتمع، حسين الصرايرة، أن مضيق هرمز يُعد «عنق زجاجة» للطاقة العالمية، إذ مرّ عبره في عام 2025 نحو 15 مليون برميل يوميًا من الخام، أي ما يقارب 34% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نحو 5 ملايين برميل من المنتجات النفطية. كما أن 89% من هذه الكميات اتجهت إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل أي اضطراب فيه سريع الانعكاس على أسعار الشحن والتأمين وهوامش التكرير، ومن ثم على أسعار الوقود والسلع عالميًا.
ويشير الصرايرة إلى أن المشهد في 2026 شهد تحولات حادة، إذ بدأ خام برنت العام عند 60.75 دولارًا، ثم ارتفع إلى 65.59 دولارًا في يناير، وتجاوز 70 دولارًا في نهاية الشهر ذاته، قبل أن يقفز بشكل كبير ليصل إلى 106.29 دولارًا للبرميل في 26 نيسان، مع ملامسته 108.36 دولارًا خلال التداولات. وبذلك تكون نسبة الارتفاع منذ بداية العام نحو 75%، وهو ما يفوق بكثير التقديرات السابقة التي كانت تدور بين 20% و30%.
ويضيف أن البدائل المتاحة خارج مضيق هرمز محدودة للغاية، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، إذ إن الطاقة المارة عبر خطوط السعودية والإمارات لا تغطي سوى جزء من الصادرات، ما يعني أن المخاطر لا يمكن إلغاؤها بالكامل طالما بقي المضيق هو الممر الرئيسي للطاقة عالميًا.
وعن الأردن، يوضح الصرايرة أن التأثير يأتي بشكل غير مباشر لكنه شديد الأهمية، إذ يتأثر الاقتصاد الأردني أساسًا بارتفاع الأسعار العالمية وليس بانقطاع الإمدادات. وتشير البيانات الرسمية إلى أن لدى الأردن مخزونًا استراتيجيًا من المشتقات والغاز يغطي بين 30 و60 يومًا، وحوالي شهر لتوليد الكهرباء، إضافة إلى إجراءات حكومية شملت السماح باستيراد الديزل وزيت الوقود وتعزيز المخزون الاستراتيجي.
لكن الخطر الحقيقي، وفق الصرايرة، يكمن في ارتفاع فاتورة الطاقة، إذ بلغت في عام 2025 نحو 3.7 مليار دولار، مع واردات يومية تقارب 68.2 ألف برميل. ويؤكد أن استمرار ارتفاع النفط سينعكس على الموازنة العامة، والحساب الجاري، وكلف النقل والإنتاج، ما يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
أما على صعيد التضخم، فيرى أن الأردن قد يواجه «تضخم كلف» أكثر من تضخم عام حاد، إذ أظهرت البيانات الرسمية حتى فبراير 2026 ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة طفيفة (1.06% في يناير و1.17% في فبراير). لكن استمرار صدمة الطاقة قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع تدريجيًا عبر النقل والغذاء والخدمات.
ويشير إلى أن القطاعات الأكثر تأثرًا تشمل النقل، والصناعة كثيفة الطاقة، والزراعة، والسلع الغذائية. كما تتأثر القدرة الشرائية للمواطن عبر ارتفاع مباشر في كلف المعيشة وغير مباشر في أسعار السلع. ورغم قدرة الحكومة على امتصاص جزء من الصدمة عبر التسعير الشهري والدعم، إلا أن استمرار ذلك لفترات طويلة يشكل عبئًا على المالية العامة.
ويخلص الصرايرة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، مع استمرار الضغط على الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد. ويرى أن الاستجابة الأفضل تكمن في مزيج من إدارة المخزون، وضبط الأولويات، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، حيث بلغت مساهمتها في الأردن نحو 27% من الكهرباء المولدة.
من جهته، يؤكد خبير الطاقة هاشم عقل أن ما يحدث في مضيق هرمز يمثل «صدمة هيكلية» تعيد تشكيل أسواق الطاقة عالميًا. ويوضح أن أسعار النفط خلال بداية 2026 تراوحت بين 70 و80 دولارًا، لكنها قفزت بعد تصاعد التوترات وإغلاق المضيق إلى مستويات وصلت في بعض العقود إلى 120 دولارًا، قبل أن تستقر بين 93 و97 دولارًا.
ويضيف أن الارتفاع الكلي بلغ نحو 50% إلى 57%، ما يعكس عودة «علاوة المخاطر الجيوسياسية». ويؤكد أن المضيق يمر عبره نحو 20.5 مليون برميل يوميًا، أي خُمس الاستهلاك العالمي، ما يجعل أي تعطيل فيه سببًا لنقص فعلي في الإمدادات.
كما يحذر من أن إغلاقًا كاملًا للمضيق قد يدفع الأسعار إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل، ما قد يؤدي إلى ركود تضخمي عالمي. ويشير إلى أن الأردن، الذي يستورد نحو 90% من احتياجاته الطاقية، يتأثر مباشرة بارتفاع الأسعار، رغم إجراءات حكومية محدودة الفعالية.
ويرى عقل أن الحل الاستراتيجي يتمثل في التوسع بالطاقة المتجددة وربطها بالتخزين، إلى جانب دعم الصناعات والقطاعات الحيوية بأسعار تفضيلية، وتسريع تطوير حقل الريشة، وربطه بالأنبوب العربي لتعزيز الإنتاج المحلي من الغاز.
ويؤكد أن التحدي الأساسي للأردن ليس انقطاع الإمدادات بل ارتفاع الكلف، ما يستدعي إصلاحات هيكلية في قطاع الطاقة لتعزيز الاعتماد على المصادر المحلية.
بدوره، يشير رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمان، المهندس فتحي الجغبير، إلى أن الحكومة تعاملت بشكل استباقي مع أزمة ارتفاع النفط، ونجحت إلى حد كبير في تخفيف انتقال كامل الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلي. ويؤكد أن القطاع الصناعي، الذي يشكل أكثر من 24% من الناتج المحلي، كان من أكثر القطاعات قدرة على التكيف.
ويضيف أن الإجراءات الحكومية مثل إعفاء الشحن البحري، وتسهيل الاستيراد، ودعم سلاسل التوريد، ساهمت في استقرار نسبي للأسواق. كما أن الصناعات المحلية تغطي 62% إلى 65% من الطلب الغذائي، ما ساعد في الحد من تقلبات الأسعار.
لكن الجغبير يشير إلى أن الطاقة لا تزال التحدي الأكبر للصناعة، إذ تشكل نحو ثلث الكلف الإنتاجية. ويؤكد أهمية تسريع إدخال الغاز الطبيعي، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، لما لذلك من أثر مباشر على تنافسية الاقتصاد.
ويشدد على أن القطاع الصناعي أثبت قدرته على الصمود، إذ بلغت الصادرات الصناعية نحو 8.9 مليار دينار، وأسهمت في تشغيل مئات الآلاف، مع استمرار التوسع في استخدام الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة الإنتاج.
أما الخبير الاقتصادي الدكتور منير أبو دية، فيرى أن الأزمة الحالية دفعت أسعار النفط إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، ما تسبب في بوادر ركود تضخمي عالمي. ويؤكد أن ارتفاع الطاقة رفع كلف الإنتاج والشحن والتأمين، ما انعكس على التجارة العالمية.
وفي الأردن، يوضح أن أسعار المحروقات ارتفعت بنحو 25% منذ بداية الأزمة، مع توقعات بمزيد من الارتفاع. كما يحذر من تأثير ذلك على التضخم والقدرة الشرائية، خاصة في ظل ثبات الرواتب.
ويشير إلى أن القطاعات الأكثر تأثرًا تشمل الصناعة والزراعة والسياحة، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة. ويرى أن استمرار الوضع سيؤدي إلى تراجع الاستهلاك المحلي.
ويؤكد أبو دية ضرورة التوسع في الطاقة المتجددة، والاستفادة من الموارد المحلية مثل الصخر الزيتي والغاز، إلى جانب استمرار دعم الحكومة للمشتقات الأساسية لتخفيف الأعباء على المواطنين.
في المحصلة، تعكس آراء الخبراء أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد اضطراب مؤقت في سوق الطاقة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصادات على التكيف مع صدمات جيوسياسية معقدة. وبينما نجح الأردن نسبيًا في احتواء جزء من التداعيات عبر سياسات مرنة ومخزون استراتيجي، تبقى التحديات قائمة، خصوصًا في ما يتعلق بارتفاع كلف الطاقة واستدامة الدعم. ويبدو أن التحول نحو الطاقة المحلية والمتجددة هو المسار الأكثر واقعية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في مواجهة الأزمات المستقبلية.