تشهد بعض القطاعات الاقتصادية في الأردن، لا سيما الزراعة والإنشاءات، عزوفًا ملحوظًا من قبل الشباب الأردني، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسبابه الحقيقية، بين من يعزوه إلى “ثقافة العيب”، وآخرين يرونه نتيجة مباشرة لظروف العمل غير الجاذبة. وفي هذا السياق، تتقاطع آراء الشباب مع آراء الخبراء في الشأن العمالي والاقتصادي والاجتماعي، لتقديم قراءة أعمق لهذه الظاهرة.
شباب: بين ضعف الأجور والبحث عن الاستقرار
يقول محمد خالد إنه جرّب العمل في قطاع الإنشاءات، لكنه اضطر لتركه بسبب ضعف العائد المادي مقارنة بالجهد المبذول، موضحًا أن الراتب بالكاد يغطي تكاليف المواصلات والمعيشة، ما يجعل الاستمرار في مثل هذه الأعمال غير مجدٍ.
ويضيف أن طبيعة العمل مرهقة جسديًا، إلى جانب غياب الامتيازات مثل التأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي، الأمر الذي يدفعه للبحث عن فرصة عمل أكثر استقرارًا.
من جانبه، يؤكد أحمد إبراهيم أنه يفضّل العمل في مجال تخصصه، بعد سنوات من الدراسة الجامعية، مشيرًا إلى أن بعض هذه المهن لا توفر مسارًا مهنيًا واضحًا، إلى جانب بعدها عن مكان السكن وعدم استقرارها.
حمادة أبو نجمة: المشكلة في ظروف العمل لا في ثقافة العيب
يرى حمادة أبو نجمة أن قبول الأردنيين بالعمل لا يرتبط بثقافة العيب، بل بتوفر شروط عمل عادلة. ويؤكد أن العامل الأردني يقبل بأي فرصة عمل إذا توفرت فيها عناصر أساسية، مثل الأجر المناسب، والضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، وبيئة العمل الإنسانية.
ويشير إلى أن العديد من الوظائف، خاصة في القطاعات الأقل تنظيمًا، تفتقر إلى هذه المقومات، حيث تتسم بتدني الأجور، وطول ساعات العمل، وارتفاع تكاليف المواصلات، ما يجعلها غير مجدية اقتصاديًا. كما أن تحميل العامل مهام متعددة خارج نطاق وظيفته يُعد شكلًا من أشكال الاستغلال، وهو ما يرفضه الشباب.
ويضيف أن تحسين ظروف العمل ينعكس مباشرة على زيادة إقبال الأردنيين، مستشهدًا بقطاع الفنادق الذي شهد تحولًا ملحوظًا نحو العمالة المحلية بعد تحسين الأجور وتوفير الحماية الاجتماعية.
أحمد عوض: نوعية الفرص هي جوهر المشكلة
من جانبه، يؤكد أحمد عوض أن المشكلة لا تكمن في نقص فرص العمل، بل في نوعيتها. ويوضح أن القطاعات التي تشهد عزوفًا تعتمد في الغالب على العمل غير المنظم، والأجور اليومية أو الموسمية، مع غياب الاستقرار الوظيفي وضعف الشمول في الضمان الاجتماعي.
ويبين أن هذا الواقع يحرم العامل من الحمايات الأساسية، مثل التأمين ضد إصابات العمل والتعطل والمرض، ما يجعل العمل مصدرًا للهشاشة بدلًا من الاستقرار. كما يشير إلى ضعف تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية، وعدم الالتزام الكامل بقانون العمل من حيث الإجازات وساعات العمل.
ويشدد على أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إصلاح بيئة العمل، من خلال تطبيق القوانين بفعالية، وتطوير أنظمة حماية اجتماعية مرنة تتناسب مع طبيعة العمل غير المنتظم، بما يعزز جاذبية هذه القطاعات للشباب.
حسين الخزاعي: عوامل اجتماعية وتعليمية تقف وراء العزوف
بدوره، يُرجع حسين الخزاعي هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والذاتية، إلى جانب العوامل الاقتصادية. ويوضح أن ضعف امتلاك المهارات والخبرات اللازمة، وقلة التأهيل المهني، يشكلان أحد أبرز الأسباب.
كما يشير إلى أن بعض المهن تتطلب جهدًا بدنيًا لا يتناسب مع قدرات جميع الشباب، فضلًا عن أن ارتفاع مستوى التعليم يدفع الكثيرين للبحث عن وظائف تتماشى مع تخصصاتهم، بعد سنوات من الدراسة.
ويضيف أن بُعد مواقع العمل، خاصة في الزراعة، وعدم استقرارها لكونها موسمية، يقلل من جاذبيتها. كما يلعب العامل الاجتماعي دورًا، حيث يتأثر بعض الشباب بنظرة المجتمع أو الأسرة لهذه المهن، فيما يُعرف بثقافة العيب.