في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة في قطاع غزة، كشف تقرير لصحيفة «هآرتس» عن تصاعد نشاط مجموعات مسلحة معارضة لحركة حماس، تحظى بدعم لوجستي وعسكري إسرائيلي مباشر، في محاولة لإيجاد بديل محلي قادر على ملء الفراغ الأمني والسياسي. إلا أن هذه المقاربة، وفق معطيات متقاطعة من مصادر إسرائيلية وفلسطينية ودولية، تواجه أزمة شرعية حادة، إذ يُنظر إلى هذه التشكيلات في الشارع الغزي باعتبارها «متواطئة» مع الاحتلال، ما يحدّ من قدرتها على التحول إلى قوة سياسية فاعلة.
وبحسب التقرير، تُعد ما تُعرف بـ«القوات الشعبية» المرتبطة بما كان يُعرف بمجموعة ياسر أبو شباب، أبرز هذه التشكيلات، حيث تضم مئات المقاتلين وتتركز أنشطتها في مناطق شرق رفح وجنوب القطاع، خاصة في محيط معبر رفح. وتعمل هذه المجموعات تحت إشراف ميداني إسرائيلي مباشر، يشمل التنسيق الأمني، وتنفيذ عمليات تمشيط، والمشاركة في مهام تفتيش وإدارة حركة العابرين، إلى جانب حصولها على دعم عسكري ومالي يقدّر بعشرات ملايين الشواكل شهرياً.
وتشير التحقيقات إلى أن هذا الدعم يتجاوز الإطار التكتيكي، ليشكّل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف حماس من الداخل عبر خلق شبكات محلية بديلة. غير أن هذه السياسة، التي وُصفت بأنها «قنبلة موقوتة»، تصطدم بواقع ميداني معقّد، في ظل اختراق أمني لهذه المجموعات وعجزها عن العمل دون غطاء جوي إسرائيلي، إضافة إلى غياب بنية تنظيمية متماسكة.
كما تكشف الوقائع عن مستوى غير مسبوق من الارتباط العملياتي، إذ جرى نقل قيادات مصابة من هذه المجموعات للعلاج داخل مستشفيات إسرائيلية، فضلاً عن تدخلات عسكرية مباشرة لحمايتها أو إخفاء آثار نشاطها. وفي هذا السياق، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً بدعم هذه التشكيلات، معتبراً ذلك وسيلة لتقليل الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، تواجه هذه المجموعات رفضاً شعبياً واسعاً، يتجاوز مجرد عدم القبول إلى حالات استهداف مباشر من قبل فصائل المقاومة، وسط قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من السكان بعدم إمكانية أن تمثل هذه القوى بديلاً وطنياً. ويعزز هذا الرفض غياب أي مشروع سياسي جامع أو دعم عربي فعلي، رغم الحديث عن خطة لإعادة إعمار غزة بقيمة 17 مليار دولار، لم يُنفذ منها سوى جزء محدود، ولم يصل إلى هذه التشكيلات.
ويرى محللون أن التجربة الحالية تحمل ملامح من نماذج تاريخية سابقة، مثل مجزرة صبرا وشاتيلا، وتجربة جيش لبنان الجنوبي، إضافة إلى تداعيات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، حيث أدى دعم قوى محلية مسلحة خارج الإجماع الشعبي إلى نتائج عكسية، وأسهم في تعميق الفوضى بدل تحقيق الاستقرار.
وبحسب التقديرات، حققت هذه السياسة بعض المكاسب التكتيكية المحدودة، كالمساعدة في الضغط على حماس أو السيطرة على نقاط محددة، لكنها فشلت في تحقيق هدفها الاستراتيجي الأهم، والمتمثل في إنتاج بديل قادر على إدارة القطاع. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة «لا حرب ولا سلام»، مع بقاء حماس اللاعب الأكثر قدرة على ملء الفراغ، مقابل تصاعد مظاهر الفوضى المنظمة، في انتظار بروز مشروع سياسي حقيقي يحظى بقبول داخلي ودعم إقليمي فعلي.