في مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد، تتصاعد مؤشرات التوتر في الشرق الأوسط وسط تداخل حسابات سياسية وعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، في وقت تبدو فيه المنطقة وكأنها تنزلق تدريجياً نحو مواجهة مفتوحة دون إعلان رسمي.
وتشير تقديرات دوائر سياسية وعسكرية إسرائيلية وأمريكية إلى أن مسار الأحداث لم يعد مجرد اقتراب من حافة الهاوية، بل دخول فعلي في مرحلة تدهور بطيء يتجنب الجميع الاعتراف به.
وبحسب تسريبات من أوساط إسرائيلية رفيعة لصحيفتي «اسرائيل اليوم» و"معاريف»، فإن القرار السياسي في تل أبيب بات مرتبطاً بشكل وثيق بالموقف الأمريكي، حيث تتصدر إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب المشهد في إدارة وتيرة التصعيد، مع تركيز واضح على تجنب أي انفجار واسع قد ينعكس سلباً على الداخل الأمريكي، لا سيما فيما يتعلق بأسعار الطاقة قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
في المقابل، تتعامل طهران مع الضغوط المتزايدة بمنطق «النفس الطويل»، مستفيدة من عامل الوقت في مواجهة استراتيجية أمريكية تقوم على إضعافها تدريجياً عبر تشديد العقوبات، وفرض قيود على صادرات النفط، واستهداف مواردها المالية. ورغم المؤشرات الاقتصادية الصعبة، بما في ذلك تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم، إلا أن تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن النظام الإيراني لا يزال قادراً على امتصاص الصدمات، مستنداً إلى بنية داخلية متماسكة وخبرة طويلة في إدارة الأزمات.
وتؤكد تحليلات عسكرية إسرائيلية أن الجبهة الشمالية، خاصة في جنوب لبنان، تشهد حالة من الاستنزاف المتبادل دون حسم، حيث يواصل حزب الله اعتماد تكتيكات مرنة تقوم على الضربات المحدودة والانسحاب السريع، مستفيداً من بيئة جغرافية وسكانية معقدة.
وفي المقابل، تواجه القوات الإسرائيلية قيوداً عملياتية تحد من قدرتها على تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة، رغم تفوقها العسكري.
وتشير التقديرات إلى أن الفجوة بين القدرات العسكرية الإسرائيلية والنتائج الميدانية المتحققة تزداد اتساعاً، ما يضع القيادة السياسية والعسكرية أمام تحديات غير مسبوقة، وسط انتقادات داخلية متصاعدة بشأن إدارة المواجهة.
على صعيد آخر، تبرز مؤشرات على عودة حركة حماس إلى الواجهة السياسية، في ظل تحركات داخلية تعكس استمرار حضورها وتأثيرها، رغم الضربات التي تعرضت لها خلال الفترات الماضية، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الفلسطيني واستمرار حالة الجمود السياسي.
وتحذر تقديرات استخباراتية من أن الأشهر المقبلة قد تكون حاسمة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية في الولايات المتحدة، حيث قد تدفع الضغوط الداخلية والخارجية الأطراف المختلفة إلى خيارات أكثر حدة.
وفي هذا السياق، يُطرح سيناريو التصعيد الشامل كاحتمال قائم، وإن لم يكن مرجحاً على المدى القريب، في ظل إدراك جميع الأطراف لتكلفته الباهظة.
غير أن خطورة المرحلة تكمن في غياب السيطرة الكاملة على مسار الأحداث، حيث قد يؤدي أي خطأ في الحسابات أو تطور ميداني مفاجئ إلى إشعال مواجهة أوسع تشمل عدة جبهات، تمتد تداعياتها إلى عمق المنطقة. وفي حال حدوث ذلك، فإن المدن الكبرى في المنطقة، من بيروت إلى تل أبيب وطهران، ستكون في قلب التداعيات، مع ما يحمله ذلك من كلفة إنسانية وأمنية كبيرة.
في المحصلة، يبدو المشهد الإقليمي مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار حالة الاستنزاف الحالية أو الانزلاق نحو تصعيد أوسع، في ظل توازن هش بين الرغبة في تجنب الحرب والضغوط التي تدفع باتجاهها.