الرشدان : الوصف الدوائي لا تحكمه الحاجة الطبية فقط
تخفيض أسعار 391 مستحضرا خطوة نحو ضبط الكلفة
الإنفاق غير المنضبط يهدد استدامة النظام الصحي
في مؤشر صحي يعكس جانبا مهما من كلفة العلاج في الأردن تكشف بيانات حديثة عن نمط وصف دوائي يتجه نحو التعدد حيث يبلغ متوسط عدد الأدوية في الوصفة الواحدة في مراكز الرعاية الأولية نحو 3 أدوية.
وهذا الرقم وفق مدير مركز الاقتصاد الصحي والسياسة الاجتماعية والأستاذ المساعد في كلية الصيدلة في جامعة الشرق الأوسط الدكتور عمر الرشدان، يتجاوز المعدلات المرجعية العالمية التي تتراوح بين 1.6 و1.8، مما يطرح تساؤلات حول كفاءة الاستخدام وانعكاساته على كلفة الرعاية الصحية.
وبين الرشدان إلى "الرأي" أن هذا النمط لا يقتصر تأثيره على ارتفاع الإنفاق المباشر، بل يمتد ليشمل تكاليف إضافية غير مباشرة، مثل التداخلات الدوائية والاثار الجانبية، التي قد تستدعي تدخلات علاجية إضافية، مما يرفع الكلفة الإجمالية على النظام الصحي والمريض على حد سواء.
ووفقا للحسابات الصحية الوطنية للأعوام 2020-2022 الصادرة عن وزارة الصحة، بلغ إجمالي الإنفاق الصحي الجاري في الأردن عام 2022 نحو 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما استحوذت الأدوية على 29.8% من هذا الإنفاق، مقارنة بـ27.9% عام 2020 و29.2% في 2021.
واعتبر أنه رغم أن هذه النسبة تبقى ضمن النطاق المقبول نسبيا مقارنة بدول ذات ظروف اقتصادية مشابهة، إلا أن مسارها التصاعدي يعكس تحديا متزايدا في إدارة الإنفاق، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى إطلاق خطة إصلاح التمويل الصحي والتغطية الصحية الشاملة للأعوام 2024-2030.
وأشار الرشدان إلى أن ارتفاع كلفة الدواء لا يرتبط فقط بأسعاره، بل بطبيعة الأدوية الحديثة التي أصبحت أكثر تخصصا وفعالية، وبالتالي أعلى كلفة، إلا أن تقييم الدواء لا ينبغي أن يقوم على السعر وحده، بل على "القيمة الصحية" التي يقدمها للمريض مقارنة بالكلفة.
في المقابل، بين أن كفاءة الاستخدام تبرز كعامل حاسم، من خلال الالتزام بالبروتوكولات العلاجية، وتجنب التكرار غير المبرر، واعتماد البدائل الجنيسة عند توفرها، إلى جانب الاستناد إلى بيانات واضحة في قرارات الوصف والصرف.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت خطوات تنظيمية لتحسين كفاءة الإنفاق، من أبرزها إعلان المؤسسة العامة للغذاء والدواء عام 2023 تخفيض أسعار 391 مستحضرا دوائيا بنسب تراوحت بين 2% و47%.
كما بدأت الجهات المعنية بإدخال الاعتبارات الاقتصادية بشكل أوضح في تقييم الأدوية الجديدةحسب الرشدان، إلى جانب التقييم السريري، بما يضمن تحقيق التوازن بين الفعالية والكلفة واستدامة الإنفاق الصحي.
وأكد على أن قرار وصف الدواء لا يعتمد دائما على الحاجة الطبية فقط، إذ تتداخل عوامل متعددة مثل خبرة الطبيب، التغطية التأمينية، توفر الدواء، وأحيانا التأثيرات التسويقية.
وشدد الرشدان على أن تحسين نمط الوصف لا يعني تقييد الطبيب، بل دعمه من خلال بروتوكولات مبنية على الدليل العلمي، وتفعيل الأنظمة الإلكترونية مثل "حكيم" لتوفير بيانات دقيقة، وتغذية راجعة حول أنماط الوصف.
وفيما يتعلق بالأدوية الجنيسة، أوضح أنها تشكل أداة فعالة لخفض كلفة العلاج، خصوصا في الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، حيث تشير التقديرات إلى أن توسيع استخدامها يمكن أن يوفر أكثر من 15% من الإنفاق الدوائي.
وتابع بأنه رغم ذلك، لا يزال استخدامها دون المستوى المطلوب، خاصة في القطاع الخاص، إضافة إلى تحديات تتعلق بثقة المرضى، رغم أن دراسات تشير إلى أن نحو 78% من المرضى يقبلون استخدام البدائل عند شرحها بشكل واضح.
ولفت الرشدان إلى أنه تبرز إشكالية أخرى في توزيع الإنفاق، حيث يستحوذ القطاع الخاص على 50.6% من الإنفاق الصحي الجاري، مقابل 44.1% للقطاع العام، ما يعكس تفاوتا في الوصول إلى العلاج.
كما بلغ الإنفاق الصحي المباشر من جيب المواطن كما ذكر نحو 960 مليون دينار عام 2022، أي ما يعادل 35.9% من إجمالي الإنفاق الصحي، وهو مؤشر على استمرار الاعتماد على الدفع المباشر، خاصة لدى غير المشمولين بتأمين صحي شامل.
ولا تقتصر التحديات على الوصف والتسعير، فقد أشار إلى أنها تمتد إلى سلاسل التوريد، حيث يؤدي تجزؤ الشراء بين عدة جهات إلى إضعاف القدرة التفاوضية، كما أن غياب نظام موحد لإدارة المخزون قد يؤدي إلى نقص في بعض الأدوية مقابل فائض في أخرى.
كذلك الاعتماد على استيراد المواد الخام حسب الرشدان، مما يجعل كلفة الدواء عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، رغم امتلاك الأردن صناعة دوائية محلية قادرة على دعم الأمن الدوائي بشكل أكبر.
وحذر من تحديات تتعلق باستدامة النظام الصحي، أبرزها الضغط على الموازنات العامة والتأمينات الصحية، وزيادة العبء على المواطن، إلى جانب تقليص الموارد المخصصة للرعاية الأولية والوقاية، في حال استمرار الإنفاق الدوائي بهذا النمط..
ونوه الرشدان إلى أن ترشيد الإنفاق الدوائي لا يتحقق بخفض الأسعار فقط، بل بإعادة تنظيم المنظومة الصحية بشكل متكامل، يبدأ من تحسين نمط الوصف الدوائي، وتعزيز دور الصيدلي، وتوسيع استخدام البدائل، وصولا إلى سياسات صحية تربط الإنفاق بالنتائج الصحية الفعلية.