تشهد العلاقة بين واشنطن وتل أبيب حالة من الارتباك المتبادل في ظل تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، تعكس تبايناً واضحاً في إدارة ملف التصعيد في لبنان.
فبينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد هدنة لثلاثة أسابيع، يواصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو التملص من الالتزامات المرتبطة بها، ملوّحاً بذرائع أمنية لمواصلة العمليات العسكرية تحت عنوان: «مواجهة حزب الله».
وتكشف معطيات عسكرية وإعلامية إسرائيلية عن تصاعد التوتر داخل دوائر صنع القرار، حيث تحولت اجتماعات المجلس الوزاري المصغر إلى ساحة خلافات بين تيار يدفع نحو توسيع الحرب، وآخر يتحفظ في ظل قيود أميركية وضغوط دولية. في هذا السياق، نقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين أن الجيش الإسرائيلي امتنع عن تنفيذ عمليات نوعية في لبنان بسبب اعتبارات سياسية وقيود فرضتها واشنطن قبيل تثبيت وقف إطلاق النار.
بالتوازي، تتزايد المؤشرات على أزمة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، إذ حذر الجنرال المتقاعد يسرائيل زيف من تدهور غير مسبوق في جاهزية الجيش، مشيراً إلى تراجع الانضباط وارتفاع وتيرة استقالات الضباط، في ظل ما وصفه بفجوة متنامية بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
واعتبر أن الأهداف المعلنة، مثل “تفكيك حزب الله”، تفتقر إلى الأسس العسكرية وتندرج في إطار شعارات سياسية غير قابلة للتحقق.
وفي موازاة الأزمة العسكرية، تتعمق التداعيات الاجتماعية داخل إسرائيل، حيث أفادت تقارير صحفية، من بينها تحقيق للصحفي جدعون ليفي، بارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية بين الإسرائيليين، مع تسجيل نسب مقلقة من أعراض ما بعد الصدمة والقلق والإدمان، ما يعكس كلفة الحرب الممتدة على المجتمع.
سياسياً، يواجه نتنياهو معادلة معقدة بين ضغوط حلفائه في اليمين المتطرف المطالبين بتصعيد واسع، وبين قيود أميركية تحد من هامش تحركه، في وقت يبدو فيه الجيش غير قادر على تحقيق حسم ميداني واضح.
ويشير محللون إسرائيليون إلى أن الحكومة تسعى إلى استخدام الهدنة كأداة تكتيكية لإعادة ترتيب الصفوف، مع الاحتفاظ بإمكانية استئناف العمليات في أي وقت.
على الجانب الأميركي، تتفاقم التحديات أمام ترامب مع تراجع الدعم داخل قاعدته السياسية، خاصة بعد الانتقادات الحادة التي وجهها الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي أعلن تراجعه عن دعم الرئيس، معتبراً أنه أسهم في تضليل الرأي العام بشأن سياسات الشرق الأوسط. ويُنظر إلى هذا التحول على أنه أحد أبرز الانشقاقات داخل التيار اليميني الأميركي في السنوات الأخيرة، وقد تكون له تداعيات مباشرة على مستقبل التحالفات السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتشير تقديرات إلى أن هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب، إلى جانب الضغوط الداخلية التي يواجهها الطرفان، قد يحدّ من فرص تثبيت تهدئة مستدامة، ويجعل من الهدنة الحالية مجرد فترة مؤقتة لإعادة التموضع. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، فيما تترقب الأطراف المعنية ما ستؤول إليه التحركات السياسية خلال الأسابيع المقبلة.