في خطوة تُعد ذات دلالة تاريخية وسياحية عميقة، تكشف هذه المعلومات للمرة الأولى عن روايات وأخبار ترتبط بمواقع وأحداث تاريخية دينية مبكرة في محافظة العقبة وما حولها، بما يشمل وجود سرايا ومقامات وأضرحة تحمل دلالات تاريخية وروحية، في سياق يعيد قراءة جغرافيا المكان بوصفه فضاءً شهد حراكاً إنسانياً وروحياً مبكراً.
ولا يقتصر هذا الحضور على كونه امتداداً زمنياً، بل يتجذر في القرى الأولى التي شهدت بدايات الاستقرار البشري، حيث تتقاطع الروايات الدينية مع الشواهد التاريخية، في مشهد يعكس عمق البعد الحضاري للمنطقة، ويؤكد على صورة العيش المشترك المسيحي الإسلامي منذ فجر التاريخ في الأردن، بما يعزّز فكرة التلاقي الإنساني في هذه البقعة الجغرافية.
وقال فضيلة مفتي العقبة الشيخ محمد الجهني إن فهم هذه المواقع يجب أن يستند إلى المصادر التاريخية والروايات الموثقة، مع ضرورة التمييز بين مفهومي “المقام” و”الضريح”، موضحاً أن المقام في اصطلاح قانون الوقف الأردني وفي السياق التاريخي يدل على موضع الدفن أو الإقامة أو المرور، وهو أعم من الضريح الذي يُطلق على القبر مكان الدفن، مستشهداً بما ورد في القرآن الكريم حول مقام إبراهيم الواقع بجوار الكعبة المشرفة.
وأوضح أنه، وبالاستناد إلى بعض الروايات التاريخية، يمكن نسبة “مقام” بمعنى النزول والمبيت والمرور للخليفة عمر بن الخطاب وعدد من الصحابة من المهاجرين والأنصار، في مدينة أيلة البيزنطية المسيحية (العقبة حالياً)، وذلك في فترة ما بعد طاعون عمواس، حيث تشير الروايات إلى أنهم حظوا باستقبال من ملكها وأهلها، وأُكرموا فيها وباتوا ليلة في تلك المدينة، في دلالة تُعد شهادة حيّة على العيش المشترك المسيحي الإسلامي منذ فجر التاريخ في الأردن.
وأضاف، أن كتب التاريخ والسيرة والبلدان تؤكد إرسال سرية من نحو خمسة عشر صحابياً في العام الثامن للهجرة إلى منطقة ذات أطلاح - التي يرجح أنها في وادي عربة بعد حدود محافظة العقبة وأول حدود محافظة الكرك في أول الأغوار عند مركز دوريات السلماني، حيث أنها كانت تُعرف قديماً بذات أطلاح أو وادي الطلح وقريبا منها شرقا منطقة تسمى طلاح - استشهد أربعة عشر منهم، فيما عاد واحد جريحاً ليُخبر النبي محمد بما جرى، وقد دُفن الشهداء في موضع استشهادهم ولا تُعرف معالم قبورهم حتى اليوم. وقد وثقت اللجنة الملكية لإعمار مقامات الأنبياء الصحابة وإدارتها وثقت ذلك.
وأشار إلى وجود نصب تذكاري في طريق وادي عربة على يمين المسافر إلى عمان يحمل اسم قائد تلك السرية الصحابي كعب بن عمير الغفاري، مع وجود تباين في الروايات حول تفاصيل الحدث، لافتاً إلى أن هذه الاختلافات تُعد جزءاً من طبيعة النقل التاريخي الذي يحتاج إلى تحقيق ومقارنة بين المصادر.
كما لفت إلى ما ورد في بعض الروايات في السيرة والتاريخ حول إرسال سرية أخرى إلى منطقة وادي رم، المعروفة منذ القدم ب"حِسمَى" بقيادة الصحابي زيد بن حارثة، إضافة إلى إشارات تاريخية أوسع تربط المنطقة بأحداث أقدم، وإن كانت هذه الروايات بحاجة إلى تدقيق علمي.
وأكد فضيلة مفتي العقبة أن أهمية هذه المعطيات لا تقتصر على بعدها التاريخي، بل تمتد لتشكل فرصة حقيقية لإعادة رسم خارطة السياحة في جنوب الأردن، ليس فقط من بوابة السياحة الدينية، بل أيضاً بوصفها شاهداً على تاريخ من التلاقي والتسامح والتنوع، بما تعكسه هذه المقامات والأضرحة من دلالات إنسانية وروحية، تعزز من مكانة العقبة كوجهة تجمع بين التاريخ والدين والجغرافيا، وتقدم نموذجاً حياً لإرث مشترك يمتد عبر القرون.