عقود ستة مرت على تأسيس الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وضعت فيها الجمعية مكانها بين المؤسسات الدولية، ورفعت راية الأردن عالية في مجال حماية الطبيعة كنموذج فريد لحوكمة مميزة في إدارة ملف التنوع الحيوي على مستوى البلاد.
منذ تأسيسها قبل ستين عاما على يد نخبة من الصيادين الأوائل الذين لاحظوا تراجع الغنى الحيوي في البلاد، والجمعية ما زالت تعمل على تطوير نهجها في المحافظة على الطبيعة، إذ تحولت من الحماية الصارمة في بداية التأسيس إلى منهج متكامل يجمع بين الحماية والتنمية، والشراكة والتطوير، وبناء قدرات المجتمعات المحلية.
ولم يكن هذا التحول والتطور في النهج وليد اللحظة، لكنه تضافر متكامل من الرعاية الملكية السامية، والتخطيط والرؤى الاستراتيجية المبنية على خبرات محلية ودولية، ثم تطوير الخبرات المحلية، ومواكبة التطورات الدولية، وصولا إلى الانتشار في دول المنطقة العربية ثم دول المغرب العربي ودول المتوسط حتى العالمية
ولا بد لمؤسسة بهذا الحجم، أن تواكب التطور والاستجابة لما حولها من متغيرات، إذ خضعت الجمعية لعدة تحولات عبر مسيرتها الطويلة بدأت من التحول عن الحماية الصارمة إلى مفهوم دمج المجتمعات المحلية في إدارة المحمية مستفيدة من تجربة إنشاء محمية ضانا للمحيط الحيوي جوهرة المحميات الطبيعية في الأردن، وتأسيس برامج إعادة توطين الحيوانات المنقرضة وعلى رأسها المها العربي، حتى أصبحت الجمعية الرائد الأول في كل المنطقة.
شكلت جهود الحماية وإعادة التأهيل في واحدة الأزرق منارة على طريق مسير الجمعية استرشد بها العاملون في المناطق الرطبة في حوض المتوسط بأسره، ولهذا قادت الجمعية عمليات بناء قدرات في تأهيل المناطق الرطبة من خلال برامج تدريبية في كل دول المنطقة العربية من الخليج العربي وحتى بلاد المغرب العربي.
كما كان للجمعية دورا بارزا في الحفاظ على الغابات الممثلة للأردن، بالتعاون مع شركائها من وزارة الزراعة ووزارة البيئة ومديرية الحراج، حيث عملت على تأهيل واسترجاع مناطق من غابة الصنوبر الحلبي في دبين، وغابة السنديان في عجلون، وغابة الملول في اليرموك. وتابعت المسيرة بإنشاء محميات أخرى على امتداد وادي الأردن، ثم سياسة التحول الاستراتيجي للتعزيز القدرات المحلية، والاعتماد على الذات وبناء منظومة مستدامة بيئيا وحيويا واقتصاديا واجتماعيا.
وقالت رئيسة مجلس إدارة الجمعية بتول العجلوني: إن لاحتفال باليوبيل الماسي هو قراءة عميقة لمسيرة ستة عقود من العمل المؤسسي الذي بُني على الإيمان بأهمية حماية الطبيعة كجزء من الهوية الوطنية، حيث استطاعت الجمعية، عبر سنواتها الطويلة، أن تتحول من مبادرة رائدة إلى مؤسسة راسخة تمتلك أدوات التأثير محلياً وإقليمياً ودولياً".
وأضافت: "أن ما يميز هذه التجربة هو قابلية التطور والتغير باستمرار، حيث لم تكتف الجمعية بحماية المواقع الطبيعية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر تمكين المجتمعات المحلية، وخلق نماذج اقتصادية مستدامة، جعلت من المحميات محركات حقيقية للتنمية.
من جهته، قال المدير العام للجمعية فادي الناصر: "إن الستين عاماً الماضية شكّلت رصيداً استراتيجياً من الخبرات التي مهدت لمرحلة جديدة من العمل القائم على الاستدامة الشاملة، حيث لم يعد ممكناً الفصل بين حماية البيئة والاستقرار الاقتصادي للمؤسسات".
وأضاف" إن التحول الاستراتيجي الذي انتهجته الجمعية خلال السنوات الأخيرة كان مساراً ضرورياً لضمان استمرارية العمل، مؤكدا إن ما تحقق هو نتيجة عمل مؤسسي طويل قائم على الشراكة والثقة، وإن الإنجازات لم تقتصر على المستوى المحلي فحسب، بل امتدت إلى الحضور الدولي، حيث شكّل انضمام محميتي اليرموك وعجلون إلى الشبكة العالمية لمحميات المحيط الحيوي UNESCO بالإضافة إلى محمية ضانا ومحمية الموجب المعلنتين سابقا محطة مفصلية تعزز مكانة الأردن عالمياً.
وأضاف الناصر، أنه وبالإضافة الإعلانات الدولية فقد دارت الجمعية بكوادرها المؤهلة مشاريع إقليمية في بلاد المشرق (لبنان وسوريا والأردن)، وعملت بالشراكة مع هيئات البيئة في مختلف دول الخليج العربي، والعراق، واليمن، والمغرب.
ويختم الناصر بالقول: "إن المرحلة المقبلة ستبنى على ما تحقق من إنجازات ونجاحات ودروس مستفادة من العمل، مع التركيز على الابتكار والتوسع، لضمان أن تبقى الجمعية نموذجاً حياً لمؤسسة وطنية قادرة على حماية الطبيعة وصناعة المستقبل في آن واحد".