في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التعليم والمعرفة، تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم الأطر المؤسسية التي تدير العملية التعليمية، بما يحقق التكامل بين مخرجاتها ويعزّز مواءمتها مع متطلبات التنمية وسوق العمل. وفي هذا السياق، يبرز مقترح دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كأحد الخيارات الإصلاحية التي تهدف إلى توحيد السياسات التعليمية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المراحل الدراسية، بما يسهم في بناء منظومة تعليمية أكثر انسجامًا وفاعلية، تمتد من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي ضمن رؤية متكاملة.
وفي قراءة لهذا التوجه، قال الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة إن الإعلان عن قرب إطلاق وزارة التعليم وتنمية الموارد البشرية يُعدّ من أبرز التحولات الهيكلية في قطاع التعليم خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة أثارت تساؤلات حول مدى اختلافها عن محاولات الهيكلة السابقة، وقدرتها على معالجة الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. وأوضح أن الوزارة الجديدة لا تقتصر على دمج مؤسسي تقليدي، بل تقوم على نموذج تشغيلي حديث يعزّز دورها في رسم السياسات، مقابل منح مديريات التعليم صلاحيات أوسع للتنفيذ الميداني، ضمن توجه يهدف إلى توحيد المرجعية التعليمية وربط مختلف المراحل الدراسية بمسارات تتوافق مع احتياجات الاقتصاد.
وبيّن النوايسة أن هذا التوجه يمثل تحولًا في فلسفة إدارة التعليم، ويتجاوز إعادة التنظيم الإداري، حيث يأتي استجابة لتوجيهات ملكية سابقة دعت إلى بناء منظومة تعليمية متكاملة تواكب المعايير الدولية، وهو ما انعكس في الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية (2016–2025) ورؤية الأردن 2025. وأضاف أن هذا التحول يعكس انتقالًا من اعتبار التعليم خدمة اجتماعية إلى كونه استثمارًا اقتصاديًا يسهم في إعداد كوادر قادرة على المنافسة، من خلال ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتعزيز دور الوزارة في بناء الكفاءات الوطنية ضمن رؤية شمولية.
وفيما يتعلق بآليات العمل، أشار إلى أهمية الفصل بين رسم السياسات وتنفيذها، باعتباره أحد مرتكزات الحوكمة الرشيدة، لما له من دور في تعزيز المساءلة ورفع كفاءة الأداء، إلى جانب دعم استقلالية المدارس وفتح المجال أمام الابتكار ضمن إطار المعايير الوطنية. كما شدد على ضرورة توحيد مرجعية ضمان الجودة ضمن هيئة مستقلة، بما يسهم في ترسيخ معايير واضحة وتحسين جودة التعليم وربطها بنتائج التعلم الفعلية.
من جانبه، اعتبر الخبير الإداري الدكتور هيثم حجازي أن إقرار قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 يُمثل خطوة مهمة على صعيد إعادة هيكلة القطاع، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق إصلاح فعلي، مؤكدًا أن نجاح الدمج يعتمد بشكل أساسي على آليات التطبيق وجودة التنفيذ. وأشار إلى أن فكرة الوزارة الموحدة تحمل جوانب إيجابية من حيث توحيد السياسات وتقليص فجوة التنسيق بين التعليم المدرسي والجامعي، إلا أن التحدي يكمن في كيفية إدارة هذا الدمج دون الوقوع في فخ التوسع البيروقراطي.
وحذّر حجازي من أن جمع التعليم المدرسي والعالي والبحث العلمي والتدريب المهني تحت مظلة واحدة قد يؤدي إلى تكدّس إداري، خاصة في ظل احتمالية سيطرة الأعباء اليومية للتعليم المدرسي على بقية الملفات، ما قد ينعكس سلبًا على التعليم العالي والبحث العلمي. كما لفت إلى أن التجارب السابقة تُظهر أن العديد من الإصلاحات تتعثر في مرحلة التنفيذ، رغم وضوح النصوص، لتتحول إلى تغييرات شكلية لا تنعكس على جودة التعليم.
وأضاف أن الجدل الذي رافق إقرار القانون يعكس مخاوف مشروعة تتعلق بمدى جاهزية هذا التحول، مؤكدًا أن إصلاح التعليم لا يقتصر على إعادة الهيكلة، بل يتطلب تطويرًا شاملًا يشمل المناهج، وتأهيل المعلمين، وتعزيز العلاقة مع سوق العمل، ودعم البحث العلمي، وتحسين الحوكمة.
وفي ضوء ذلك، شدد حجازي على أهمية تبنّي مقاربة متوازنة تقوم على دعم أهداف الدمج مع ضمان شروط التنفيذ الفعّال، من خلال وضع هيكل تنظيمي واضح يضمن التخصص داخل الوزارة، وحماية التعليم العالي والبحث العلمي من التهميش، وإشراك المجتمع الأكاديمي والتربوي في عملية التنفيذ والتقييم. وأكد أن المعيار الحقيقي لنجاح هذا التوجه سيبقى في مدى انعكاسه على جودة تعليم الطالب، وتعزيز استقلالية الجامعات، وربط البحث العلمي بالتنمية الاقتصادية.