أعلن رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون الجمعة أن لبنان بات بعد اتفاق وقف إطلاق النار، على أعتاب مرحلة جديدة للعمل على "اتفاقات دائمة"، مؤكدا في الوقت نفسه أن التفاوض المباشر مع اسرائيل ليس "تنازلا".
وشدّد الرئيس اللبناني في خطاب عالي النبرة توجّه فيه إلى اللبنانيين وإلى حزب الله من دون أن يسميه في شكل مباشر، على أن لبنان لم يعد "ساحة لحروب أي كان"، وذلك غداة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هدنة بين الحزب واسرائيل بدأ تنفيذها منتصف ليل الخميس-الجمعة.
واندلعت الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل في الثاني من آذار/مارس بعد إطلاق الحزب صواريخ على الدولة العبرية ردا على مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله على خامنئي في اليوم الأول للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير.
وكان سكان جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت باشروا في وقت مبكر الجمعة العودة إلى منازلهم التي دمّرتها الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ لمدة عشرة أيام.
من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن إسرائيل لم تنه المهمة بعد في حربها ضد حزب الله، متعهدا مواصلة العمل لنزع سلاح الحزب الموالي لإيران.
- "استعدنا لبنان" -
وقال عون في كلمته غداة وقف النار "أما الآن، نقف جميعا أمام مرحلة جديدة. هي مرحلة الانتقال من العمل على وقف اطلاق النار، إلى العمل على اتفاقات دائمة، تحفظ حقوق شعبنا، ووحدة أرضنا، وسيادة وطننا".
وأضاف الرئيس اللبناني "في هذه المرحلة، كما في التي سبقتها، نحن واثقون أننا سننقذ لبنان، وواثقون في الوقت نفسه أننا سنكون عرضة لكل الهجمات لسبب بسيط، هو أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن".
وتابع "فنحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا. لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود ابدا. بل عدنا دولة تملك وحدها قرارها، وترفعه عاليا، وتجسّده فعلا وقولا، من أجل حياة شعبها وخير أبنائها لا غير".
وشكر الرئيس اللبناني في كلمته "كل من ساهم بإنجاز وقف النار، بدءا من الرئيسِ الأميركي الصديق دونالد ترامب" والسعودية.
وكان ترامب أعلن الخميس عن الهدنة عبر منصته للتواصل "تروث سوشال"، قبل أن يقول لصحافيين في وقت لاحق إن وقف النار "أمر رائع".
وجاء وقف إطلاق النار بعيد عقد سفيري لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة أول محادثات مباشرة بين البلدين منذ عقود، اتفقا خلالها على إجراء مفاوضات مباشرة في موعد يُحدد لاحقا.
وأضاف عون في كلمته أن المفاوضات مع اسرائيل "ليست ضعفا وليست تراجعا وليست تنازلا، بل هي قرار نابع من قوة ايماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، وخصوصا من رفضنا ان نموت من اجل اي كان غير لبنان".
وأكّد أن "المفاوضات لا تعني ولن تعني يوما التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن".
ويأتي وقف إطلاق النار في ظل هدنة في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بدأت في الثامن من نيسان/أبريل لمدة أسبوعين. وشهدت انفراجة جديدة اليوم بإعلان طهران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
وحصدت الحرب بين حزب الله والدولة العبرية والتي استمرت نحو شهر ونصف شهر قرابة 2300 قتيل في الجانب اللبناني، وفق آخر حصيلة لوزارة الصحة اللبنانية، وشرّدت أكثر من مليون.
- أمل بتوقف الحرب -
والجمعة، تدفّق نازحون عائدون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي باتت أحياء كاملة منها ركاما. وكان بعضهم يلوّح بعلم حزب الله ويحمل صورا لأمينه العام السابق حسن نصر الله الذي قُتل في غارة إسرائيلية في العام 2024، بينما حمل آخرون صور المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول من الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في أواخر شباط/فبراير.
وقالت إنصاف عز الدين (42 عاما)، في محلة الجاموس في الضاحية، "كنا نقضي كل يوم في مكان، على الطرق من مكان لآخر".
واضافت لفرانس برس "الحمدلله أنه تمّ التوصّل إلى وقف لإطلاق النار، والأمل أن تتوقّف الحرب ونعود إلى منازلنا ونعيش مع أولادنا بأمان".
وعلى طريق الجنوب، شاهد صحافيو وكالة فرانس برس ازدحاما مروريا هائلا. وانتظر سائقو السيارات والدرّاجات النارية ساعات لعبور الجسر الأخير الذي يربط جنوب لبنان ببقية البلاد، والذي تضرّر بشدّة جراء قصف إسرائيلي قبل ساعات من وقف النار.
وقالت غفران حمزة التي كانت تنتظر إعادة فتح جسر القاسمية آتية من بيروت حيث نزحت مع عائلتها، "لا أعرف ما إذا كان منزلي مدمّرا أم لا... إن كان مدمّرا، سأنصب خيمة أمامه وأبقى".
- "لم ننه المهمة بعد" -
قال بنيامين نتانياهو الجمعة إن "حزب الله اليوم ليس سوى ظلّ لما كان عليه سابقا، مقارنة بأيام مجده في عهد (حسن) نصرالله".
وأضاف "لم ننه المهمة بعد. هناك إجراءات نعتزم اتخاذها لمواجهة ما تبقى من تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة"، مؤكدا أن "نزع سلاح حزب الله" يظل هدفا رئيسيا.
وأكد أن "تفكيك حزب الله" لن "يتحقق بين ليلة وضحاها"، منبها الى أنه سيتطلب "جهدا متواصلا وصبرا ومثابرة، إلى جانب براعة في المناورات الدبلوماسية".
وكان نتانياهو قال بعيد الإعلان عن وقف إطلاق النار إن الدولة العبرية ستبقي على وجودها العسكري ضمن منطقة بعمق 10 كيلومترات تقدّم اليها الجيش خلال الحرب.
ولا ينص اتفاق وقف إطلاق النار على انسحاب إسرائيل من المناطق التي اجتاحتها، بينما ينصّ في المقابل على حقّها في "الدفاع عن النفس".
في المقابل، فإن الحكومة اللبنانية، بموجب اتفاق وقف النار، "تتعهّد، وبدعم دولي، أن تتخّذ خطوات جادة لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلّحة غير الحكومية الأخرى، من تنفيذ هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية".
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن إسرائيل ولبنان "يلتزمان بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية (...) بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام بين البلدين بشكل دائم".
وأشارت الى أنه يمكن تمديد فترة الهدنة "باتفاق متبادل" بين الطرفين.
- خروقات -
أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية عن سقوط قتيل في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية في جنوب لبنان الجمعة، رغم بدء سريان وقف إطلاق النار بين حزب الله والدولة العبرية.
وقبل دقائق من سريان الهدنة، قُتل 13 شخصا على الأقل وأصيب 35 آخرون بجروح جراء غارات إسرائيلية استهدفت ستة أبنية في مدينة صور الساحلية في جنوب البلاد، وفق ما أفاد مسؤول محلي وكالة فرانس برس.
وفي وقت مبكر الجمعة، أعلن الجيش اللبناني تسجيل "اعتداءات إسرائيلية" عدة اعتبر أنها تشكّل خرقا للاتفاق.
وأعلن حزب الله في بيان أنه "ردّا على خرق جيش الاحتلال لوقف إطلاق النار، قصفنا تجمّعا للجنود الإسرائيليين قرب بلدة الخيام" في الجنوب.
وقال الحزب المدعوم من إيران إن أيدي مقاتليه ستبقى "على الزناد" في حال خرق اسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار.