تشير القراءات الأولية لحركة البيانات عبر الفضاء الإلكتروني في الأردن إلى أن هذا الاحتفال بيوم العلم سجل أعلى معدلات «المرور الرقمي» عبر المنصات الاجتماعية، حيث تتحول النجمة السباعية والألوان الأربعة إلى أيقونة موحدة تتصدر شاشات الملايين، في ظاهرة تعكس انتقال الهوية الوطنية من حيز التلقي التقليدي إلى حيز التفاعل الرقمي النشط، وهو ما يعزز مفهوم «السيادة الرقمية» التي يمارسها المواطن الأردني عبر اعتزازه برموزه في وجه العولمة الثقافية الجارفة.
وفي رصد ميداني لحركة المنصات العامة، يؤكد نضال الشرايدة، وهو مشرف على إحدى الصفحات الاجتماعية التفاعلية على «فيسبوك»، أن السلوك الرقمي للمواطن الأردني في يوم العلم يظهر حالة من «الوعي البصري» المتقدم؛ إذ أن التفاعل لا يتوقف عند حدود الإعجاب أو المشاركة التقليدية، بل يتعداه إلى ابتكار محتوى أصيل حيث يدمج التاريخ بالحداثة.
ويضيف الشرايدة أن البيانات التحليلية لصفحته كشفت عن وصول المنشورات المرتبطة بيوم العلم إلى أكثر من مليون مستخدم في غضون ساعات قليلة، مع ملاحظة أن الفئات العمرية بين 18 و35 عاماً هي الأكثر حماساً لإنتاج المقاطع المرئية التي توثق اعتزازهم بالراية، معتبراً أن هذا التدفق التلقائي للمحتوى يمثل «استفتاءً رقمياً» متجدداً على الولاء والانتماء، ومؤكداً أن المنصات الاجتماعية أصبحت اليوم هي السواري الافتراضية التي ترفع عليها الآمال والمنجزات الوطنية قبل أن تُرفع في أي مكان آخر.
من جانبه؛ يقدم محمد السعودي، ناشر إحدى المنصات الإخبارية والاجتماعية واسعة التأثير، رؤية مغايرة تتعلق بقدرة الرقمية على تذويب المسافات الجغرافية؛ ففي يوم العلم؛ يتحول الأردنيون في المغترب إلى سفراء رقميين للراية الهاشمية.
ويرى أن المحتوى الذي يتم بثه في هذا اليوم، والمدعوم بصور عالية الجودة وتقنيات المونتاج الحديثة، يساعد في تشكيل صورة ذهنية قوية عن الدولة الأردنية أمام المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن صفحته سجلت مشاركات واسعة من أردنيين في عواصم عالمية، قاموا برفع العلم افتراضياً وواقعياً في وقت متزامن
ويؤكد على أن القوة التأثيرية للكلمة والصورة في العصر الرقمي تمنح يوم العلم أبعاداً أمنية وفكرية تحصن وعي الشباب، حيث يتم تداول قصص البطولات والتاريخ المرتبط بكل لون من ألوان العلم، مما يجعل من المنصة التعليمية والاجتماعية مدرسة مفتوحة تغرس قيم التضحية والفداء بأسلوب عصري يبتعد عن التلقين الجاف.
فيما يسهب الخبير في علم الاجتماع الدكتور عودة الزيدانيين في أعماق هذه الظاهرة، واصفاً إياها بأنها «إعادة إنتاج للمجال العام"؛ فالمواطن الذي يضع صورة العلم على ملفه الشخصي يمارس فعلاً اجتماعياً يعلن من خلاله انضمامه للكتلة الوطنية الصلبة.
ويشير الزيدانيين لـ«الرأي» إلى أن الاحتفاء الرقمي بيوم العلم يمثل استجابة سوسيولوجية لحاجة الفرد في العصر الحديث للشعور بالجذور والارتباط، وسط عالم يتسم بالسيولة وفقدان الهوية.
ويضيف أن البيانات الاجتماعية تشير إلى أن التفاعل الرقمي في المناسبات الوطنية يقلل من الفجوة بين الأجيال، حيث يجد «جيل الألفية» و"جيل زد» في الرموز الوطنية لغة مشتركة للتفاهم مع جيل الرواد، وهو ما يدعم التماسك المجتمعي ويحول العلم من قطعة قماش مقدسة إلى كائن رقمي حي يتفاعل معه الصغير والكبير على حد سواء.
ويقول التربوي المتقاعد عبدالله المسيعديين إن دهشته كانت كبيرة حينما رأى حفيده الصغير يطلب منه مساعدته في اختيار «فلتر» للعلم الأردني ليوثق به لحظة رفعه للراية فوق شرفة منزلهم؛ حيث ادرك في تلك اللحظة أن التكنولوجيا لم تكن يومًا خصماً للهوية، بل كانت وسيلة لخلودها.
ويضيف بلهجة تحمل مزيجاً من الفخر والتأمل» لقد أتاح لي العالم الافتراضي استعادة ذكريات قديمة ونشرها للشباب، حيث قمت بتحويل صور قديمة لوالدي وهو يرتدي الزي العسكري وبجانبه العلم إلى نسخ رقمية شاركتها عبر مجموعات العائلة والأصدقاء، لتصبح تجربتي في يوم العلم اليوم أكثر شمولاً.
وضجت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف الصور والمنشورات التي جسدت حضور العلم في تفاصيل الحياة اليومية، لم يكن المشهد افتراضياً بقدر ما كان امتداداً طبيعياً لاحتفال حي، شارك فيه الجميع بلغتهم الخاصة.
وغرد حساب «ماجد» متسائلاً: لماذا نحتفل بيوم العلم؟ قبل أن يجيب بأن الاحتفال يأتي تخليداً للشهداء الذين ضحوا لأجله، واستحضاراً لذكرى الثورة العربية الكبرى، مؤكداً أن «رايتنا راية عز وكرامة».
كما غردت هلا العبادي عن العلم قائلة: «راية تختصر الحكاية… ومنها تبدأ الحكاية، ويعلو بها الفخر ويترسخ الانتماء»، مضيفة أن العلم يجسد وحدة المجتمع ويحمل تاريخاً وأمجاداً لا تنحني.
وفي السياق ذاته، كتب حساب «سليل البادية» أن العلم «مش بس ألوان… هو تاريخ وهوية وكرامة»، في تعبير يعكس كيف باتت رمزية العلم أقرب إلى وجدان الناس من أي وقت مضى.
ولم تقتصر المظاهر على الكلمات، بل امتدت إلى الصور التي ملأت الفضاء الرقمي؛ أطفال يرتدون ألوان العلم، وشباب يرفعونه في السماء، وأعلام ترفرف فوق المنازل والشوارع، في مشهد بصري كثيف يعكس حالة إجماع وطني نادرة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الحملة الوطنية «علمنا عال» التي تسعى إلى ترسيخ قيمة العلم وتعزيز حضوره، عبر مشاركة مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى جانب الدور البارز للإعلام ومنصات التواصل في خلق هذا الزخم.
فيما أطلقت مجموعة من الفعاليات الشبابية في محافظة إربد مبادرة وطنية رقمية بعنوان «#علمنا_عالي #علمنا_غالي».
وتأتي هذه المبادرة تعبيراً عن الاعتزاز براية الوطن، وتجديداً للولاء والالتفاف حول القيادة الهاشمية الحكيمة في هذه المناسبة العزيزة على قلوب الأردنيين جميعاً.
وتقوم فكرة المبادرة على دعوة أبناء الوطن والمحبين للأردن إلى توحيد «الصورة الشخصية» (Profile Picture) عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ووضع شعار المبادرة الذي يجسد رمزية العلم الأردني، لخلق حالة من التلاحم الرقمي الذي يعكس وحدة الصف والافتخار بالهوية الوطنية.
وفي حديث الى «$» حول انطلاق المبادرة، أكد السيد أحمد الجراح، أحد أعضاء المبادرة والمشرفين عليها، أن «يوم العلم» ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو يوم محفور في وجدان كل أردني وأردنية.