لم يكن يوم العلم مجرد مناسبة عابرة في الرزنامة الوطنية، بل بدا كأنه لحظة جامعة تتجدد فيها العلاقة بين الأردنيين ورمزهم الأبرز، في 16 نيسان، ارتفع العلم في اللغة والصورة والذاكرة، ليعيد تعريف ذاته بوصفه اختزالاً لحكاية وطن لا تُروى كاملة إلا حين ترفرف ألوانه.
يحمل العلم الأردني في رمزيته امتداداً تاريخياً عميقاً، إذ يستلهم ألوانه من علم الثورة العربية الكبرى التي أطلقها الشريف الحسين بن علي، بما تعكسه من معاني الوحدة والحرية والنهضة العربية. وتكثف ألوانه الأربعة محطات من التاريخ العربي، فيما تتوسطه النجمة السباعية دلالة على القيم الجامعة والهوية المتماسكة.
ومنذ إعلان استقلال المملكة عام 1946، ظل العلم حاضراً في اللحظات الفارقة، من ميادين البناء إلى ساحات الدفاع، حيث ارتبطت صورته بتضحيات الأردنيين، وبقي شاهداً على محطات مفصلية مثل معركة الكرامة، ليغدو أكثر من رمز سيادي، بل سردية وطنية مستمرة.
هذا العام، اتخذ الاحتفاء بالعلم بعداً لافتاً في الفضاء الرقمي، حيث ضجت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف الصور والمنشورات التي جسدت حضور العلم في تفاصيل الحياة اليومية. لم يكن المشهد افتراضياً بقدر ما كان امتداداً طبيعياً لاحتفال حي، شارك فيه الجميع بلغتهم الخاصة.
وغرد حساب “ماجد” متسائلاً: لماذا نحتفل بيوم العلم؟ قبل أن يجيب بأن الاحتفال يأتي تخليداً للشهداء الذين ضحوا لأجله، واستحضاراً لذكرى الثورة العربية الكبرى، مؤكداً أن “رايتنا راية عز وكرامة”.
كما غردت هلا العبادي عن العلم قائلة: “راية تختصر الحكاية… ومنها تبدأ الحكاية، ويعلو بها الفخر ويترسخ الانتماء”، مضيفة أن العلم يجسد وحدة المجتمع ويحمل تاريخاً وأمجاداً لا تنحني.
وفي السياق ذاته، كتب حساب “سليل البادية” أن العلم “مش بس ألوان… هو تاريخ وهوية وكرامة”، في تعبير يعكس كيف باتت رمزية العلم أقرب إلى وجدان الناس من أي وقت مضى.
ولم تقتصر المظاهر على الكلمات، بل امتدت إلى الصور التي ملأت الفضاء الرقمي؛ أطفال يرتدون ألوان العلم، وشباب يرفعونه في السماء، وأعلام ترفرف فوق المنازل والشوارع، في مشهد بصري كثيف يعكس حالة إجماع وطني نادرة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الحملة الوطنية “علمنا عال” التي تسعى إلى ترسيخ قيمة العلم وتعزيز حضوره، عبر مشاركة مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى جانب الدور البارز للإعلام ومنصات التواصل في خلق هذا الزخم.
في يوم العلم، يصبح العلم ذاكرة حية تتحرك مع الناس، وتكبر فيهم كلما أعادوا اكتشاف معناها. وبين ساريةٍ ترتفع في الميدان، ومنشورٍ يعبر شاشة، تظل الراية الأردنية قادرة على جمع الحكاية.