بلعاوي : التكنولوجيا تدعم القرار لكنها لا تصنعه وحدها
تمكين الكوادر الطريق لنجاح التحول الرقمي
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي داخل المستشفيات لم تعد الأنظمة الإلكترونية والسجلات الصحية مجرد أدوات مساندة بل جزءا أساسيا من منظومة تقديم الرعاية.
غير أن دراسة أردنية حديثة تضع هذا التحول في سياق مختلف، مؤكدة أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع بيئة علاجية امنة، بل كفاءة من يستخدمها.
الدراسة المنشورة في مجلة Journal of Pharmaceutical Policy and Practice المصنفة ضمن الفئة الأولى عالميا، والتي اطلعت عليها "الرأي"، كشفت عن علاقة مباشرة بين مستوى "المعرفة الصحية الرقمية" لدى كوادر التمريض، و"ثقافة سلامة المرضى" داخل المستشفيات، في واحدة من أوسع الدراسات المحلية التي تناولت هذا الجانب.
وشملت الدراسة التي قادها أستاذ العلاج الدوائي السريري بجامعة البترا الدكتور ضرار بلعاوي، مع فريق من الأكاديميين المتميزين، و 500 ممرض وممرضة من خمسة مستشفيات حكومية وخاصة وجامعية في الأردن خلال عام 2025، حيث أظهرت النتائج أن الكفاءة الرقمية للممرضين تفسر نحو 28.1% من التباين في مستويات ثقافة سلامة المرضى، وهي نسبة تعد ذات دلالة مهمة في الأبحاث السريرية.
وأكد الدكتور بلعاوي في تصريح إلى "الرأي" أن الاستثمار في الأنظمة الصحية الرقمية، شهد تسارعا واضحا، لكن السؤال الأهم هو مدى قدرة الكوادر على استخدامها بكفاءة، مشددا على أن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي ما لم يقترن بمهارات حقيقية لدى مقدمي الرعاية.
وأضاف أن نتائج الدراسة تقدم دليلا ملموسا، على أن الممرض القادر على تقييم المعلومات الصحية الرقمية بشكل نقدي، هو الأكثر قدرة على الإسهام في بيئة تضع سلامة المريض في مقدمة الأولويات.
ورغم أن الممرضين أظهروا مستوى جيدا في استخدام الأنظمة الرقمية بشكل يومي، إلا أن الدراسة كشفت عن ضعف نسبي في مهارات تقييم موثوقية المعلومات الصحية، وهو ما يشكل فجوة حقيقية في الممارسة السريرية، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على البيانات الرقمية في اتخاذ القرار الطبي.
ومن النتائج اللافتة للدراسة وفق بلعاوي، عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في المهارات الرقمية بين الممرضين وفقا للعمر أو سنوات الخبرة، مما يدحض الفرضية الشائعة حول تفوق الأجيال الأصغر رقميا.
وتابع أنه بالمقابل، ارتبطت الكفاءة الرقمية بشكل أوضح بالمستوى التعليمي الأعلى والعمل في المستشفيات الجامعية، وهو ما يعكس أهمية بيئة التدريب والتطوير المستمر.
وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز سلامة المرضى في العصر الرقمي لا يتحقق فقط عبر توسيع البنية التحتية، بل يتطلب استثمارا موازيا في تدريب الكوادر السريرية، خاصة في مجالات التفكير النقدي والتعامل مع المعلومات الصحية.
كما أشارت إلى تحديات تنظيمية، أبرزها نقص التدريب وضيق الوقت، إلى جانب الحاجة إلى دعم إداري أكبر لتمكين الكوادر من استخدام الأنظمة الرقمية بكفاءة.
وتؤكد الدراسة أن التحول الرقمي في القطاع الصحي لن يحقق أهدافه الكاملة دون تمكين العنصر البشري، فالتكنولوجيا قد توفر الأدوات، لكن سلامة المرضى تبدأ من مهارة من يقف خلف الشاشة، لا من الشاشة نفسها.