بينما كان العالم منشغلاً بتطورات الحرب في الشرق الاوسط، كانت مدينة القدس تشهد توتراً متصاعداً مرتبطاً بالمقدسات والهوية، في ظل إغلاقات وقيود أثارت جدلاً واسعاً حول تداعياتها على «الوضع القائم» وإمكانية تغيير معالمه التاريخية والدينية.
ويرى المختص بشؤون القدس، د. كامل ريان، أن قرار الإغلاق لم يكن مجرد خطأ إداري، بل «جريمة بحق حرية العبادة»، موضحاً أن ما يجري يتمثل في «ربط صلاة المسلمين والمسيحيين باقتحامات المستوطنين».
وحذر ريان، من أن «زيادة وقت اقتحامات المستوطنين ليس إجراءً عابراً، بل تغيير جوهري وخطير في الوضع القائم (الستاتيكو)»، مشيراً إلى أن «سحب الصلاحيات من الأوقاف الإسلامية هو الأخطر لأنه يستهدف المرجعية القانونية والتاريخية لإدارة المسجد».
وأكد أن هذه السياسات «تمثل إنجازاً سياسياً لوزير الأمن الاسرائيلي ايتمار بن غفير»، وستؤدي إلى مزيد من التوتر ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل فعّال.
من جهته، يصف الكاتب المختص بشؤون القدس د. حسن خاطر، ما جرى من إعادة فتح للمقدسات الاسلامية والمسيحية بأنه «فرح مرّ».
وتساءل عن غياب المواقف الفاعلة خلال فترة الإغلاق، محذراً من «تخوفات كبيرة من توظيف هذه السابقة في نقل نموذج السيطرة على الحرم الإبراهيمي إلى المسجد الأقصى».
وانتقد المطران منيب يونان، الرئيس السابق للاتحاد اللوثري، «ازدواجية المعايير» في الموقف الدولي، ازاء الانتهاكات بحق مقدسات القدس بالمقارنة اماكن اخرى في العالم، معتبراً أن ذلك «ازدواجية في المعايير تخجل الضمير الإنساني».
وشدد على أن فتح المقدسات «حق إنساني أساسي وليس منّة»، مؤكداً أن إغلاقها «يقتل الأمل قبل أن يكون انتهاكاً دينياً».
وأكد المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية، أن منع الوصول إلى كنيسة القيامة يمثل «إجراءً تعجيزياً يستهدف قدسية المكان»، مشيراً إلى أن السياسات القائمة «تهدف إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني».
ودعا إلى ما هو أبعد من فتح الأبواب، قائلاً: «لا يكفي فتح الكنائس والأقصى، بل يجب إزالة الحواجز وجدار الفصل»، مؤكداً أن القدس «ليست متحفاً بل قلباً حياً للشعب الفلسطيني».
في السياق ذاته، وصف القاضي فواز عطية، الباحث في شؤون القدس، فترة الإغلاق بأنها «فصل من كابوس لم تشهده المدينة من قبل»، موضحاً أن البلدة القديمة «تحولت إلى مدينة شبه متوقفة»، مع قيود طالت الحركة والصلاة.
واشار إلى أن «السماح بالاقتحامات قبل أداء المسلمين للصلاة يعكس اختلالاً واضحاً في المكان»، معتبراً أن ذلك يفرض الحاجة إلى «معادلة جديدة تضمن حق الوجود العربي الإسلامي المسيحي في القدس كحق وليس منّة».
ويصف جاك سارة، رئيس كلية بيت لحم للكتاب المقدس، كنيسة القيامة بأنها «الكنيسة الأم»، مؤكداً أن إغلاقها «يشبه إطفاء نور العالم»، ويحذر من استمرار غياب الحجاج وصعوبة الوصول إلى المدينة، داعياً إلى استعادة الحركة الدينية الطبيعية باعتبارها جزءاً من هوية القدس الروحية والإنسانية.
وتشير مجمل هذه الآراء إلى أن أزمة القدس الأخيرة أعادت طرح أسئلة عميقة حول مستقبل المقدسات وإدارة «الوضع القائم»، في ظل مخاوف من أن تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم.
وبينما تتواصل التحذيرات، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الطابع التاريخي والديني للمدينة قبل ترسيخ تغييرات يصعب التراجع عنها.