في واحدة من أكثر القراءات عمقا لواقع المياه في الأردن، يكشف تقرير “الحق في المياه: من إدارة الندرة إلى مساءلة السياسات” أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط في محدودية الموارد، بل في طريقة إدارتها وتوزيعها، ما يضع ملف المياه في قلب معادلة العدالة والسياسات العام.التقرير، الذي تمت مناقشته خلال جلسة نظمتها دبين للتنمية البيئية، يأتي ضمن مبادرة الراصد العربي للحق في المياه، يقدم تحليلا يقوم على مقاربة حقوقية تعتبر المياه حقا إنسانيا أساسيا، مرتبطا مباشرة بجملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مستندا إلى معايير دولية تشمل الإتاحة والجودة والاستمرارية والقدرة على تحمل الكلفة وعدم التمييز.ويؤكد أن الأردن يقع ضمن نطاق الندرة المائية المطلقة، مع تراجع مستمر في حصة الفرد من المياه، إلا أن هذه الندرة، وفق التقرير، لا تفسر وحدها التفاوتات القائمة، بل تتداخل مع خيارات سياساتية تحدد من يحصل على المياه، وبأي كلفة، ما يحول الأزمة من قضية موارد إلى قضية عدالة توزيع.يرصد التقرير توجها متزايدا نحو تعظيم الإمدادات عبر مشاريع كبرى، مثل التحلية والنقل، دون مرافقة ذلك بإصلاحات موازية في إدارة الطلب أو تحقيق العدالة في التوزيع، ما أدى إلى تحسين محدود في الكميات، مقابل استمرار اختلالات هيكلية في القطاع.كما يشير إلى استمرار الاعتماد على المياه الجوفية بمعدلات غير مستدامة، في نمط إدارة “يؤجل الأزمة” بدلا من معالجتها، في وقت لا تحظى فيه الحلول اللامركزية، مثل الحصاد المائي، بالاهتمام الكافي رغم أهميتها في تعزيز المرونة والعدالة.ويبرز التقرير وجود تفاوتات واضحة في الوصول إلى المياه بين المناطق، في ظل نظام تزويد متقطع وغياب معايير شفافة للتوزيع، ما يجعل الحصول على المياه مرتبطا بالموقع الجغرافي والقدرة على تحمل الكلفة.كما لا تعكس التعرفة الرسمية الكلفة الفعلية التي يتحملها المواطن، خاصة مع الاعتماد على مصادر بديلة مرتفعة الثمن، الأمر الذي يضاعف العبء على الأسر محدودة الدخل، ويعيد إنتاج عدم المساواة بدل معالجتها.وعلى المستوى التشريعي، يكشف التقرير عن غياب الاعتراف الصريح بالحق في المياه ضمن الإطار القانوني، إلى جانب تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات، ما يضعف المساءلة ويحد من وضوح المسؤوليات.كما يشير إلى فجوات في الحوكمة، تشمل ضعف الشفافية، وغياب جهة تنظيم مستقلة، ومحدودية آليات التظلم، ما ينعكس سلبا على كفاءة وعدالة إدارة القطاع.ويتناول التقرير تأثير المياه العابرة للحدود، باعتبارها أحد المحددات الأساسية للأزمة، في ظل ارتباطها باتفاقيات وتوازنات سياسية تؤثر على حصة الأردن من الموارد، ما يضيف بعدا سياسيا للأزمة المائية.كما يحذر من دور تغير المناخ كعامل مضاعف، في ظل استمرار التركيز على الحلول التقنية، دون دمج كافٍ لمبادئ العدالة المناخية في السياسات.بدلا من الاكتفاء بالتوصيات التقليدية، يقترح التقرير ستة مسارات للمساءلة، تشمل إصلاحات تشريعية ومؤسسية، وإعادة هيكلة التعرفة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وإدماج العدالة المناخية، إلى جانب تفعيل الدبلوماسية المائية على أسس حقوقية.وجاء عرض التقرير ومناقشته خلال جلسات حوار وطني في عمّان، حيث أكدت المديرة التنفيذية لجمعية دبين للتنمية البيئية هلا مراد أن أهمية التقرير تكمن في “إعادة وضع الحق في المياه ضمن إطار المساءلة، وليس فقط كملف خدمي أو تقني”، مشددة على ضرورة ترجمة مخرجاته إلى سياسات عملية.من جهتها، قالت الدكتورة ديالا طراونة، نائب العميد للتدريب والخريجين في كلية الهندسة بالجامعة الأردنية، إن المشاركة في الحوار الوطني جاءت في سياق “مناقشة التقرير ضمن مبادرة الراصد العربي، وبحث كيفية المواءمة بين العمل الأكاديمي ومضامينه، من خلال توجيه البحث العلمي والدراسات، سواء في كليات الهندسة أو مراكز الطاقة والمياه، لخدمة القضايا التي يطرحها”.