المعاني : الرعاية الأولية استثمار لا كلفة
غلاء الفحوصات والخوف من النتيجة أسباب للتأجيل
لم يعد تأجيل الفحوصات الطبية الدورية مجرد سلوك فردي بسيط بل بات مؤشرا على فجوة في الوعي الصحي قد تتحول إلى عبء ثقيل على صحة الأفراد والمنظومة الصحية في المملكة، في وقت تؤكد فيه المؤشرات الطبية أن عددا من الأمراض لا تظهر أعراضها إلا بعد مراحل متقدمة.
الخبير الصحي الدكتور عبد الرحمن المعاني، أكد أن بعض الأمراض لا يمكن اكتشافها إلا من خلال الفحوصات المخبرية، مما يستدعي البدء بإجراء فحوصات دورية بعد أعمار معينة، خصوصا للأمراض المزمنة والسرطان، إذ أن الاكتشاف المبكر يختصر رحلة العلاج ويحد من المضاعفات.
وأضاف في تصريح إلى "الرأي" أن المعطيات الطبية، تشير إلى أن أمراضا مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، قد تبدأ دون أعراض واضحة، مما يجعل الفحوصات الدورية السنوية ضرورة وليست خيارا.
ولفت المعاني إلى أن التشخيص المبكر يسهل العلاج، ويمنع تطور المرض إلى مراحل أكثر تعقيدا، سيما أن المضاعفات قد تطال الأعصاب والكلى والعيون والأطراف.
ووفق تقديرات صحية عالمية، فإن ما يقارب 50% من المصابين بارتفاع ضغط الدم لا يعلمون بإصابتهم، فيما يعد السكري من الأمراض التي يتم اكتشاف نسبة كبيرة من حالاتها في مراحل متأخرة، وهو ما ينطبق على العديد من الحالات في المنطقة.
وفيما يتعلق بالأمراض الخطيرة، يبرز السرطان كأحد أبرز النماذج التي يعتمد فيها التشخيص على الفحوصات المبكرة، حيث تؤكد الدراسات أن الكشف المبكر يرفع فرص الشفاء بشكل كبير.
ويأتي ذلك في وقت وسعت فيه الحكومة مظلة التأمين لعلاج مرضى السرطان وفق فئات عمرية محددة، في خطوة تعزز فرص الوصول للعلاج، لكنها تبقى مرتبطة بأهمية التشخيص المبكر.
وشدد المعاني على أن التدخين لا يزال أحد أبرز عوامل الخطورة، واصفا إياه بـ"الوباء"، نظرا لارتباطه بأمراض الرئة والمريء والفم.
وتابع بأن الإيرادات المتأتية من التبغ لا تقارن بحجم الفاتورة العلاجية الناتجة عنه، في إشارة إلى الكلفة الاقتصادية المرتفعة للأمراض المرتبطة بالتدخين.
ورغم أهمية الفحوصات وفق المعاني، إلا أن سلوك التأجيل بين المواطنين لا يزال حاضرا، لأسباب تتراوح بين الخوف من النتائج، والتوتر المرتبط بإجراء الفحص، وصولا إلى الكلفة، خصوصا لغير المؤمنين صحيا.
واعتبر أن تكلفة الفحوصات المخبرية في بعض الحالات لا تعكس كلفتها الفعلية، مما يشكل عائقا أمام البعض لإجرائها بشكل دوري.
كما تلعب العوامل النفسية كما ذكر دورا محوريا، إذ يفضل بعض الأفراد عدم معرفة حالتهم الصحية تجنبا للقلق، وهو ما يؤخر التشخيص إلى مراحل أكثر تعقيدا.
ولفت المعاني إلى أن صرف دينار واحد على الرعاية الصحية الأولية، يمكن أن يوفر ما يقارب ألف دينار من كلفة العلاج في المراحل المتقدمة، في دلالة واضحة على أهمية الوقاية والكشف المبكر.
ونوه إلى أن بيانات صحية تشير إلى أن الأردن، يخصص ما بين 18 إلى 20% من إنفاقه الصحي للرعاية الأولية، مقابل النسبة الأكبر التي تذهب للعلاج في المستويات الثانوية والثالثية، وهو ما يعكس كلفة التعامل مع الأمراض بعد تفاقمها.
وشدد المعاني على أن تأجيل الفحوصات لا يتعلق بقرار فردي فقط، بل بثقافة صحية تحتاج إلى إعادة صياغة، بحيث يتحول الفحص المبكر من خيار مؤجل إلى سلوك روتيني، خاصة في ظل أمراض "صامتة" قد لا تكتشف إلا بعد فوات الأوان.