قال المحلل العسكري والاستراتيجي الدكتور نضال أبو زيد إن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل اقتراب انتهاء المهلة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والتي تنتهي مساء الثلاثاء عند الساعة الثامنة بتوقيت واشنطن، وسط ترجيحات بأن تكون أي ضربة محتملة مركزة ومحددة زمنياً وليست حرباً مفتوحة.
وأوضح أبو زيد أن المشهد الحالي يتحرك بين خيارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في ضربة عسكرية محدودة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على إيران وإجبارها على القبول بشروط سياسية ودبلوماسية، والثاني هو فتح نافذة تفاوض في اللحظات الأخيرة إذا ما أبدت طهران مرونة كافية لتقديم تنازلات محسوبة.
وأشار إلى أن الإدارة الأميركية، رغم التهديدات العسكرية، لا تزال تميل إلى الحل الدبلوماسي، وذلك لتجنب التكاليف السياسية والاقتصادية والعسكرية الباهظة التي قد تترتب على أي مواجهة شاملة في المنطقة، مبيناً أن واشنطن تسعى إلى تحقيق نتيجة سريعة وحاسمة يمكن تقديمها بوصفها نجاحاً سياسياً قبل انتهاء المهلة المحددة.
وبيّن أبو زيد أن إيران بدورها أظهرت مؤشرات على استعداد دبلوماسي، من خلال تقديم ما وصفه بـ”تنازلات جزئية ومدروسة”، خاصة فيما يتعلق بملف مضيق هرمز، لافتاً إلى أن السماح بمرور سفن تحمل العلم الهندي عبر المضيق يحمل دلالة رمزية وسياسية تعكس رغبة إيرانية في تخفيف التوتر وإيصال رسالة بأنها لا تغلق باب التفاهم بشكل كامل.
وأضاف أن طهران، في الوقت ذاته، تحاول الحفاظ على هامش الردع والرد السياسي والعسكري، إذ إنها لم توافق على جميع المطالب الأميركية، وما تزال تُبقي على أوراقها مفتوحة، في إطار محاولة الموازنة بين منع الانزلاق إلى حرب شاملة وبين عدم الظهور بموقف المتراجع بالكامل أمام الداخل الإيراني والرأي العام الإقليمي.
وفي المقابل، حذّر أبو زيد من أن إسرائيل تمثل العنصر الأكثر تعقيداً وخطورة في المشهد الحالي، موضحاً أن تل أبيب تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه تقويض أي اختراق دبلوماسي محتمل بين واشنطن وطهران، عبر استمرار العمليات العسكرية والأمنية التي تستهدف مواقع وقيادات إيرانية حساسة.
وقال إن إسرائيل صعّدت خلال الفترة الأخيرة من الضربات النوعية التي تستهدف شخصيات مرتبطة بالمنظومة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية، إلى جانب البنية التحتية الاقتصادية الحساسة، في إطار استراتيجية تهدف إلى إضعاف إيران اقتصادياً وعسكرياً ومنعها من استثمار أي مسار تفاوضي لصالحها.
ولفت أبو زيد إلى أن من بين أخطر المؤشرات الميدانية استهداف مناطق حيوية مرتبطة بإنتاج البتروكيماويات والطاقة، موضحاً أن هذه الضربات لا تقتصر على البعد العسكري، بل تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عميقة، لأنها تضرب أحد أهم مفاصل الاقتصاد الإيراني ومصادر دخله الرئيسية.
وأكد أن الضغط على الاقتصاد الإيراني أصبح جزءاً أساسياً من المعركة، خصوصاً في ظل استهداف منشآت ومناطق إنتاجية حساسة، ما يفاقم من الأزمة الاقتصادية الداخلية ويزيد من الضغوط على صانع القرار في طهران، ويدفعه إلى إعادة حساباته بين الاستمرار في المواجهة أو الذهاب نحو تفاهمات اضطرارية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تبدو متحمسة لتوسيع دائرة الاستهداف إلى حد ضرب البنية الطاقية الإيرانية بشكل شامل قبل انتهاء المهلة، لأن ذلك قد يؤدي إلى قفزة كبيرة في أسعار الطاقة ويفتح الباب أمام ردود فعل إقليمية ودولية معقدة، إلا أن التحركات الإسرائيلية، بحسب أبو زيد، قد تذهب أبعد من الرغبة الأميركية وتفرض واقعاً أكثر تصعيداً.
وأوضح أن هذا التباين بين الحسابات الأميركية والأهداف الإسرائيلية يعكس اختلافاً في أولويات كل طرف؛ فواشنطن تبحث عن إنجاز سياسي سريع ومحدود الكلفة، بينما ترى تل أبيب أن استمرار الضغط العسكري هو الطريق الأفضل لإضعاف إيران على المدى الطويل، وربما إفشال أي اتفاق لا يحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة.
وأضاف أبو زيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يجد في استمرار التصعيد فرصة لتعزيز موقعه السياسي داخلياً، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، وهو ما يجعل من التصعيد العسكري المستمر خياراً جذاباً بالنسبة له، حتى لو تعارض مع مساعي التهدئة أو التفاهمات المرحلية.
ورأى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الساعات المقبلة يتمثل في أحد ثلاثة مسارات:
أولاً: تنفيذ ضربة عسكرية أميركية مركزة ومحدودة تستهدف إعادة فرض قواعد الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ثانياً: نجاح المسار الدبلوماسي في اللحظة الأخيرة عبر تفاهمات جزئية وتنازلات متبادلة.
ثالثاً: قيام إسرائيل بخطوات عسكرية تصعيدية قد تنسف أي مسار تفاوضي وتدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.
وشدد أبو زيد على أن المشهد لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، وأن الحكم على الاتجاه النهائي لا يمكن أن يكون دقيقاً قبل اكتمال عناصر القرار السياسي والعسكري لدى الأطراف الثلاثة: الولايات المتحدة، إيران، وإسرائيل.
وختم بالقول إن المنطقة تقف حالياً أمام ساعات مفصلية، حيث إن القرار الذي سيتخذ خلال هذه المهلة لن يحدد فقط شكل المواجهة الحالية، بل قد يعيد أيضاً رسم معادلات القوة والاشتباك في الإقليم خلال المرحلة المقبلة.