القرالة : دراسة مرتقبة خلال شهرين لرصد واقع الأطباء المقيمين
ثقافة الصمت تمنع الأطباء من طلب الدعم النفسي
لم يعد الحديث عن ضغط الأطباء المقيمين مجرد توصيف لواقع مهني صعب بل تحول إلى ملف حساس تتداخل فيه أبعاد قانونية ومهنية ونفسية في ظل ساعات عمل طويلة ومسؤوليات يومية ترتبط بحياة المرضى وبيئة عمل عالية التوتر.
وبين متطلبات التدريب وحدود القدرة البشرية، يبرز تساؤل ملح، هل ما يعيشه الطبيب المقيم جزء طبيعي من مسار التأهيل، أم أن الضغط تجاوز حدوده ليصبح خطرا صامتا؟.
الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء الأردنية الدكتور حازم القرالة، أكد أن الطبيب المقيم هو طبيب يعمل ويتدرب في الوقت ذاته، وليس مجرد متدرب خارج إطار الحماية القانونية، مبينا أن قرارات صادرة عن محكمة التمييز اعتبرته "عاملا"، تنطبق عليه أحكام قانون العمل الأردني، إضافة إلى الأنظمة الناظمة للموارد البشرية.
وأضاف خلال مقابلة مع "الرأي" أن هذا التوصيف القانوني، يفرض التزامات واضحة على المؤسسات الصحية، من حيث تنظيم ساعات العمل، وضمان فترات الراحة، وتوفير بيئة عمل امنة، حيث أن المقيم جزء من الكادر الطبي الفاعل، وليس ضمن إطار تدريبي مفتوح بلا ضوابط.
وبين القرالة أن طبيعة العمل الطبي، وخاصة في مرحلة الإقامة، تفرض ساعات عمل طويلة وجهدا عاليا لاكتساب الخبرة السريرية، إلا أنه بالوقت ذاته أكد على أن الإشكالية تظهر عندما تتجاوز هذه الساعات الحدود المقبولة، وتتحول إلى ضغط مستمر يفوق القدرة البشرية.
وأشار إلى أن بعض البيئات قد تشهد ساعات عمل متواصلة مع فترات راحة محدودة، مما يؤدي إلى إرهاق جسدي واضح، قد ينعكس على أداء الطبيب، وعلى سلامة المرضى في ان واحد.
وعن المعايير العالمية، أوضح أنها حددت سقف ساعات التدريب بما لا يتجاوز 60 ساعة أسبوعيا، إلا أنه أكد أن الواقع يشهد تجاوزات كبيرة لهذا الرقم، مشيرا إلى أن هذه الزيادة تنعكس سلبا على نفسية الطبيب وإنتاجيته.
وتابع بأن التشريعات نصت أيضا على ضرورة أن تقرن ساعات العمل الإضافية بأجر، إلا أن هناك خللا في التطبيق فيما يتعلق بمنح الأطباء المقيمين مستحقاتهم عن الساعات الإضافية.
وكشف القرالة أن بعض البرامج التدريبية في مؤسسات تعليمية تشهد أرقاما وصفها بـ"الصادمة"، حيث تصل ساعات عمل الطبيب المقيم في السنوات الأولى إلى نحو 90 ساعة أسبوعيا، فعند احتساب الوقت، فإن الأسبوع يتكون من 168 ساعة، وإذا عمل الطبيب 90 ساعة ونام نحو 50 ساعة، فإن الوقت المتبقي لا يكاد يكفي للدراسة أو للحياة الشخصية.
وأكد أن هذه الأرقام "غير مقبولة بأي شكل من الأشكال"، وتنعكس سلبا على التدريب والإنتاجية.
ونوه إلى أن الضغط الذي يتعرض له الطبيب المقيم لا يقتصر على الجانب الجسدي، بل يمتد بشكل أكبر إلى الجانب النفسي، في ظل بيئة عمل عالية التوتر، ومسؤوليات كبيرة، وقرارات مصيرية يومية.
واعتبر القرالة أن تراكم هذا الضغط، بالتزامن مع نقص النوم والإجهاد المستمر، قد يقود إلى حالات من الاحتراق النفسي، تتجلى بفقدان القدرة على الاستمرار، واضطرابات نفسية، وانعزال تدريجي.
وبين أن الصحة النفسية لا تزال بحاجة إلى مزيد من العمل داخل المؤسسات، حيث هناك لا يزال تقصيرا في هذا الجانب، ليس فقط للأطباء المقيمين، بل لجميع العاملين.
ودعا إلى تضافر جهود المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص لتفعيل الإرشاد النفسي والتوعية، مشيرا إلى أن كثيرا من الحالات التي تعاني من اضطرابات نفسية لا تبادر بطلب المساعدة.
وشدد القرالة على أن المسؤولية تقع على الجميع في رصد هذه الحالات، وتقديم الدعم النفسي في الوقت المناسب قبل تفاقمها.
وفي سياق يعد الأكثر حساسية، أوضح أن ما تم تداوله حول حالات انتحار أو محاولات انتحار بين بعض الأطباء المقيمين، لا يمكن التعامل معه كوقائع معزولة، مشددا على أن هذا الملف يضع بيئة العمل والضغط النفسي تحت المجهر.
وتابع بأن هذه الحالات لا يمكن اختزالها بسبب واحد، إذ تتداخل فيها عوامل نفسية وشخصية واجتماعية، إلا أن ضغط العمل وساعات الدوام الطويلة تبقى من العوامل التي لا يمكن استبعاد تأثيرها.
وشدد القرالة على أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون بعيدا عن التبسيط أو التبرير، مؤكدا أن المطلوب هو قراءة شاملة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المهنة، والضغط المهني، والظروف النفسية، والبيئة التنظيمية.
كما شدد على أن اختزال القضية بعامل واحد لا يعكس الواقع، لكنه في المقابل شدد على أن تجاهل أثر الضغط المهني يمثل خللا لا يقل خطورة.
وأشار القرالة إلى أن من أبرز التحديات داخل الوسط الطبي، ثقافة الصمت، حيث يميل العديد من الأطباء إلى عدم الإفصاح عن معاناتهم أو طلب الدعم النفسي، نتيجة الخوف من الوصمة أو تأثير ذلك على مسارهم المهني، منوها إلى أن هذه الثقافة قد تؤدي إلى تراكم الضغط النفسي دون تدخل، مما يزيد من احتمالية تفاقم الحالة.
ونبه إلى أن خصوصية العمل الطبي تضاعف من أثر الضغط، إذ يعمل الطبيب في بيئة لا تحتمل الخطأ، ويتعامل مع حياة المرضى بشكل مباشر، وهو ما يضعه أمام مسؤولية مستمرة حتى في ظل الإرهاق.
وكشف القرالة عن أن نقابة الأطباء وبالتعاون مع جمعية أطباء الأمراض النفسية واللجنة الإعلامية، بدأت العمل على إجراء دراسة متخصصة تستهدف مختلف فئات الأطباء، بما في ذلك طلبة كليات الطب، تتناول واقع الأطباء المقيمين من مختلف الجوانب، بما في ذلك ساعات العمل، والضغط المهني، والصحة النفسية.
وأوضح أن هذه الدراسات تستند إلى معايير عالمية، وسيتم الانتهاء منها خلال شهرين، على أن تعرض نتائجها في مؤتمر صحفي، بهدف تقديم بيانات علمية تثبت وجود الخلل وتدعم وضع حلول عملية لتحسين بيئة العمل.
وبين أن هذه الدراسة تهدف إلى الوصول إلى مؤشرات دقيقة تستند إلى بيانات علمية واضحة، تساعد في فهم حجم التحديات بشكل موضوعي.
وأكد القرالة على وجود عمل قائم مع وزارة الصحة لتنظيم ساعات العمل من خلال نظام البصمة، مشددا على أن قبول هذا النظام مرتبط بتحديد ساعات العمل ضمن المعايير العالمية.
وأشار إلى أن المسؤولية تقع على عدة جهات، في مقدمتها المستشفيات باعتبارها الجهة المشغلة، والتي يجب أن تلتزم بعقود عمل تراعي التشريعات وتعكسها في البرامج الشهرية.
كما أشار إلى وجود مخاطبات مع المستشفيات الجامعية والخاصة لضبط ساعات العمل، وعدم تجاوز السقوف المعقولة، وربطها بأجر عادل.
ولفت القرالة إلى أن الطبيب المقيم يقف اليوم بين نصوص قانونية واضحة تعترف به كعامل له حقوق، وواقع عملي قد يفرض ضغوطا تتجاوز هذه الحدود.
وشدد على أن معالجة هذا الملف لم تعد خيارا، بل ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية الطبيب، بل لضمان استمرارية نظام صحي متوازن قادر على تقديم الرعاية، دون أن يكون ذلك على حساب من يقدمها.