في وقت تتسارع فيه التحولات المناخية على نحو غير مسبوق، يأتي تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية لعام 2025 ليؤكد أن العالم لم يعد أمام سيناريوهات مستقبلية، بل يعيش واقعًا مناخيًا متغيرًا بكل ما يحمله من تداعيات قاسية.
وبينما تبدو الأرقام عالمية الطابع، فإن انعكاساتها تتجسد محليًا بوضوح، خصوصًا في دول مثل الأردن التي تقف على خط تماس مباشر مع تحديات ندرة المياه والتقلبات الجوية الحادة.
التقرير الذي وصف العقد الأخير بأنه الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات، يضع العالم أمام أزمة بيئية واختبار حقيقي للقدرة على التكيف وإعادة ترتيب الأولويات. فارتفاع درجات الحرارة، واختلال توازن الطاقة الأرضية، وتسارع احترار المحيطات، جميعها مؤشرات على تحول عميق في النظام المناخي، لم تعد معه الظواهر المتطرفة استثناءً، بل قاعدة متكررة.
وفي السياق الأردني، تبرز هذه المؤشرات بصورة أكثر حساسية، إذ تتقاطع مع واقع مائي هش أصلًا، ما يضاعف من التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار البيئي. فمواسم مطرية ضعيفة، وارتفاع في وتيرة موجات الحر، وتراجع في معدلات التغذية الجوفية، جميعها إشارات محلية تعكس ما ورد في التقرير العالمي.
وترى رئيسة جمعية دبين من أجل التنمية، هلا مراد، أن “ما يحمله التقرير العالمي ليس بعيدًا عن الواقع الأردني، بل هو امتداد له بصورة أوضح، حيث نلمس تغيرًا ملحوظًا في الأنماط المناخية داخل الغابات والمناطق الطبيعية، ما يستدعي تعزيز برامج الحماية والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، خصوصًا في المناطق الحساسة بيئيًا مثل غابات دبين”.
بدوره، يؤكد خبير البيئة والتغيرات المناخية الدكتور أحمد الشريدة أن “الأردن يعد من أكثر الدول تأثرًا بالتغير المناخي رغم محدودية مساهمته في الانبعاثات، وهو ما يفرض ضرورة تسريع سياسات التكيف، خاصة في قطاعات المياه والزراعة، إلى جانب الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر وبناء قاعدة بيانات مناخية دقيقة تدعم صناع القرار”.
ويشير التقرير إلى أن إدراج مؤشر “اختلال توازن طاقة الأرض” يمثل تحولًا نوعيًا في فهم الأزمة المناخية، وهو ما ينسحب على الأردن الذي بدأ يواجه تغيرات في توزيع الطاقة الحرارية بين فصول السنة، ما يؤثر على الزراعة والأنماط البيئية.
كما أن تصاعد الظواهر المتطرفة عالميًا، من موجات حر وسيول مفاجئة، يجد صداه محليًا، حيث شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة حالات من عدم الاستقرار الجوي الحاد، ما يعزز الحاجة إلى تطوير بنية تحتية قادرة على الاستجابة السريعة.
ما بين المعطيات العالمية والواقع المحلي، يبدو الأردن أمام لحظة مفصلية تتطلب الانتقال من مرحلة الرصد إلى الفعل، فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة، بل بات عنصرًا ضاغطًا على مختلف القطاعات، ما يستدعي مقاربة شاملة تعزز من قدرة الدولة والمجتمع على التكيف، وتضع الاستدامة في صميم السياسات الوطنية.