عبد السلام : دمج المصابين مسؤولية صحية وتعليمية مشتركة
الأدوية لضبط الأعراض لا لعلاج الحالة
في ظل تزايد معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد عالميا تبرز الحاجة إلى استجابة مؤسسية أكثر تكاملا لا سيما على المستوى المحلي لمواكبة هذه الأرقام وتعزيز خدمات الكشف المبكر والتأهيل والدعم.
وفي الأردن يفتح هذا الواقع الباب أمام تساؤلات حول جاهزية المنظومة الصحية والتعليمية للتعامل مع هذه الفئة، بما يضمن حقوقها في الرعاية والدمج والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
من جهتها أكدت أخصائية التوعية والإعلام الصحي الدكتورة الصيدلانية روان عبد السلام، أن اضطراب طيف التوحد يعد حالة نمائية عصبية، وليس مرضا كما يعتقد البعض، حيث أن هذه الحالة تعكس اختلافا في كيفية تطور الدماغ ومعالجته للمعلومات، وتؤثر على التفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوك لدى الأطفال.
وأضافت في تصريح إلى "الرأي" أن السبب الرئيسي لاضطراب طيف التوحد لا يزال غير معروف، ونظرا لتعقيد الحالة وتنوع الأعراض وتفاوت شدتها من شخص لاخر، فقد تكون هناك عدة عوامل مسببة، من بينها العوامل الوراثية والبيئية.
وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو طفل واحد من كل 100 طفل، يشخص باضطراب طيف التوحد، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فيما تشير دراسات حديثة إلى نسب أعلى في بعض الدول، الأمر الذي يعزز أهمية الكشف المبكر والتدخل العلاجي.
كما تشير دراسات علمية محكمة إلى أن عدد المصابين باضطراب طيف التوحد في الأردن، يقدر بنحو 10 إلى 12 ألف حالة، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن طفلا من كل 50 طفلا قد يكون ضمن الطيف، مع التأكيد على غياب إحصاءات وطنية دقيقة، نتيجة محدودية الدراسات والتشخيص المتأخر.
وأوضحت عبد السلام أن الأطفال المصابين بالتوحد قد تظهر عليهم أعراض مثل القيام بأفعال روتينية متكررة، أو سلوكيات غير مألوفة، أو صعوبات في التواصل مع الآخرين، أو ضعف الوعي الاجتماعي والاهتمام بالآخرين، مشيرة إلى أن هذه السمات تعد من أبرز الخصائص الشائعة للحالة.
وبينت أن من بين المؤشرات المبكرة التي تستدعي الانتباه، عدم الابتسام عند بلوغ الطفل عمر 6 أشهر، عدم مبادلة الأصوات أو الابتسامات أو تعابير الوجه عند عمر 9 أشهر، عدم التمتمة أو الإشارة أو التلويح عند عمر 12 شهرا، عدم نطق كلمات فردية عند عمر 16 شهرا، عدم نطق عبارات مكونة من كلمتين عند عمر عامين، إضافة إلى تراجع في نمو الطفل أو فقدان مهارات النطق أو التفاعل الاجتماعي.
ولفتت عبد السلام إلى أنه لا يوجد علاج شاف لاضطراب طيف التوحد، كما لا يوجد نهج علاجي واحد يناسب جميع الحالات، مشيرة إلى أن الهدف من العلاج هو دعم تعلم الطفل وتطوره وسلوكه.
وشددت على أن البدء بالعلاج في وقت مبكر، خاصة خلال سنوات ما قبل المدرسة، يساعد بشكل كبير في تنمية المهارات الاجتماعية والتواصلية والسلوكية.
ونوهت إلى أن خيارات العلاج تشمل العلاجات السلوكية والتواصلية، والعلاجات التعليمية، إلى جانب دور الأسرة، حيث يمكن للوالدين وأفراد الأسرة تعلم طرق التفاعل مع الطفل بما يدعم مهاراته، ويسهم في إدارة السلوكيات وتعليمه مهارات الحياة اليومية.
وفيما يتعلق بالأدوية، أكدت أنه لا توجد أدوية تعالج الأعراض الجوهرية للتوحد، لكنها قد تستخدم للسيطرة على بعض الأعراض المصاحبة، مثل فرط النشاط أو القلق أو السلوكيات الشديدة، وذلك تحت إشراف طبي.
ونادت عبد السلام إلى أهمية إبلاغ مقدمي الرعاية الصحية، بجميع الأدوية أو المكملات الغذائية التي يتناولها الطفل، لتجنب أي تداخلات دوائية قد تؤدي إلى اثار جانبية.
وأكدت على عدم وجود أي دليل علمي يربط بين اللقاحات والإصابة بالتوحد، بما في ذلك لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)، مشيرة إلى أن هذه الادعاءات تندرج ضمن المعلومات المضللة.
وتابعت بأنه لا يوجد أيضا دليل علمي يثبت أن اتباع نظام غذائي خاص، مثل الحميات الخالية من الغلوتين أو الكازين، يمكن أن يشفي من اضطراب طيف التوحد.
وفي سياق متصل، أشارت إلى أهمية دور الصيدلاني في دعم الأطفال المصابين وأسرهم، من خلال تقديم التوعية الدوائية، وضمان الاستخدام الامن للعلاجات، واقتراح بدائل مناسبة للأطفال الذين يعانون من حساسية تجاه الطعم أو الملمس، إلى جانب متابعة المستجدات العلمية وتصحيح المفاهيم الخاطئة.
وعلى المستوى المحلي، أوضحت أن الأردن يشهد تزايدا في الوعي حول اضطراب طيف التوحد، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لتعزيز الخدمات المقدمة لهذه الفئة، خاصة في مجالات الكشف المبكر، ومراكز التأهيل، ودمج الأطفال في التعليم، ودعم الأسر.
وفي هذا الإطار، أثار أولياء أمر طفل من ذوي اضطراب التوحد تحدثوا "للرأي"، تساؤلات حول مدى مراعاة المؤسسات التعليمية لاحتياجات هذه الفئة، بعد استبعاد ابنهم من تمثيل مدرسته في مسابقة تهجئة، رغم قدراته الأكاديمية، وذلك بداعي اختلافه.
ودعوا إلى ضرورة تبني سياسات تعليمية أكثر شمولا، تراعي الفروق الفردية بين الطلبة، وتمنح الأطفال من ذوي التوحد فرصا عادلة للمشاركة، بما يعزز اندماجهم وثقتهم بأنفسهم.
واعتبرت عبد السلام أن التعامل مع اضطراب طيف التوحد يتطلب تكاملا بين المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية، لضمان توفير بيئة أكثر شمولا تتيح للأطفال المصابين المشاركة الفاعلة في المجتمع.
وتابعت بأن إدماج التنوع العصبي يعد عنصرا أساسيا في تحقيق مجتمعات أكثر عدالة واستدامة، في ظل ما يمكن أن يقدمه الأفراد المصابون بالتوحد من قدرات وإسهامات.
ووفق عبد السلام فإن اضطراب طيف التوحد ليس عائقا أمام النجاح، بل هو اختلاف يتطلب الفهم والدعم، مشيرة إلى وجود نماذج عديدة لأشخاص مصابين بالتوحد حققوا إنجازات بارزة في مختلف المجالات.