لم تكن العتمة يوماً عائقاً أمام من يمتلك نور الإرادة، ففي مدرسة الرازي الأساسية المختلطة التابعة لمديرية قصبة إربد، برزت قصة نجاح ملهمة بطلتها المعلمة لارا ربيع. لارا، التي فقدت بصرها ولم تفقد بصيرة الطموح، أثبتت أن الإعاقة لا تسكن الجسد بل تسكن الاستسلام، محولةً صفوف المدرسة إلى شعلة من العطاء والإبداع.
وخلال جولة لـ "الرأي" في المدرسة، كشفت لارا عن مهارات حسية مذهلة تدهش كل من يقابلها؛ فهي لا تحتاج لرؤية الوجوه لتعرف من يقف أمامها بذكاء حسي لافت، تستطيع لارا تمييز زميلاتها المعلمات بمجرد سماع نبرة الصوت، أو حتى "رنة" الضحكة، بل وتذهب لأبعد من ذلك بتمييز كل واحدة منهن من خلال "وقع أقدامها" وطريقة مشيتها في الرواق.
وفي حديثها لـ "الرأي"، لخصت لارا فلسفتها في الحياة بعبارة هزت وجدان الحاضرين حين قالت: "الكفيف ليس أعمى البصر، بل الكفيف الحقيقي هو أعمى القلب". بهذه الكلمات، أكدت لارا أن البصيرة هي المحرك الأساسي للإنسان، وأن فقدان حاسة البصر لم يمنعها من رؤية أحلامها بوضوح، بل زادها إصراراً على أن تكون شعلة تنير طريق طلبتها.
وتقول لارا "العالم حولي ليس مظلماً كما يظن البعض، بل هو عالم غني بالأصوات والتفاصيل التي قد لا ينتبه لها المبصرون. لقد طورت مع الوقت حاسة خاصة تمكنني من معرفة زميلاتي المعلمات بمجرد مرورهن في الرواق؛ فأنا أحفظ 'رنة' ضحكتهن، وأميز كل واحدة منهن من إيقاع خطواتها على الأرض قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
وتابعت آمنتُ دائماً أن التعليم لا يجب أن يسجن بين دفتي كتاب، لذا بادرتُ إلى كسر الجمود التقليدي في حصة اللغة الإنجليزية. أعتمد بشكل أساسي على التعليم 'اللامنهجي' الذي يدمج الفن بالمادة العلمية و أستخدم الأغاني التعليمية، والتمثيل المسرحي الصوتي، والقصص التفاعلية التي تحفز خيال الطلبة. هدفي ليس فقط تعليمهم مفردات لغة جديدة، بل بناء شخصياتهم ومنحهم الثقة بأن المستحيل مجرد كلمة، وأن الإبداع ينبع من الإرادة لا من الحواس".
وكشفت لارا عن السر وراء شغفها بمادة اللغة الإنجليزية، مشيرة إلى أن اختيارها لهذا التخصص لم يكن وليد الصدفة، بل كان "رسالة وفاء" لمعلماتها اللواتي تركن أثراً لا يمحى في قلبها. وتستذكر لارا بامتنان معلمات اللغة الإنجليزية اللواتي أشرفن على تدريسها في المدارس الحكومية، وكذلك في "المدرسة الأسقفية" الخاصة بتعليم كفيفي البصر، حيث كنّ بمثابة القدوة التي ألهمتها لاحتراف هذه اللغة ونقل المعرفة للأجيال القادمة بذات الشغف والصبر.
أما طلبتي، فهم قطعة من قلبي؛ أعرف كل طالب منهم من صوته، بل ومن طريقة تنفسه أو ضحكته العفوية في الصف، وهذا يخلق بيننا لغة تواصل عميقة لا تحتاج إلى عيون، بل إلى أرواح متصلة".
هذا الاتصال العميق لم يقتصر على الزميلات، بل امتد لطلبتها الذين تشرف على تدريسهم مادة اللغة الإنجليزية؛ إذ تستطيع لارا معرفة الطالب وتحديد هويته من ضحكته العفوية أو حركة مشيته داخل الغرفة الصفية، مما خلق حالة من الذهول والمحبة والثقة المتبادلة بينها وبين طلبتها.
من جانبه، أكدت مديرة مدرسة الرازي، رؤى هاشم، أن وجود المعلمة لارا يمثل قيمة مضافة للمدرسة. وقالت هاشم: "لارا ليست مجرد معلمة متميزة أكاديمياً، بل هي مصدر طاقة إيجابية تمنحنا جميعاً الأمل والإصرار. إنها تعطي دروساً في الحياة قبل أن تعطي دروساً في اللغة الإنجليزية".
من جهتهن، عبرت زميلات لارا عن فخرهن بالعمل معها، مشيرات إلى قدرتها الفائقة على الاندماج والمشاركة بفعالية في كافة الأنشطة المدرسية، محطمةً كل الصور النمطية عن ذوي الإعاقة.
وفي الغرفة الصفية، لمست "الرأي" طريقة لارا المبتكرة في التدريس فهي تعتمد على التفاعل الصوتي، والأغاني التعليمية، والحوار المفتوح، مما كسر حاجز الخوف من اللغة الأجنبية لدى الطلبة، الذين التفوا حولها بمحبة بالغة، معتبرين حصتها "نافذة للنور والمعرفة".
خاتمة
تظل قصة لارا ربيع في "قصبة إربد" نموذجاً حياً للمعلم الأردني الذي يتجاوز المستحيل، ليصنع جيلاً يؤمن بأن الإرادة هي القوة الوحيدة القادرة على تغيير الواقع، مادامت القلوب تبصر ما لا تراه العيون.