بعد أكثر من شهر على انطلاق الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، يتكشف مشهد مغاير تماماً لما رُوّج له في بدايات الحرب، فالأهداف الكبرى التي طرحت تحت عناوين إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي، وفرض السيطرة على مضيق هرمز، بدأت تتراجع تدريجياً من الخطاب الرسمي، لتحل محلها مقاربات أكثر براغماتية تعكس تعقيدات الواقع الميداني والاقتصادي والسياسي.
تشير قراءات لكتّاب ومحللين عسكريين في وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية إلى أن إيران نجحت في إعادة صياغة قواعد الاشتباك عبر ما يُعرف بـ"سلاح مضيق هرمز»، وهو ما فرض قيوداً حقيقية على خيارات واشنطن وأعاد تشكيل أولوياتها.
ففي تحليل نشرته صحيفة «معاريف»، يرى المحلل العسكري ألون بن دافيد، أن قدرة طهران على تهديد الملاحة في المضيق تمثل أداة ضغط استراتيجية لا تقل تأثيراً عن السلاح النووي، لافتاً إلى أن هذا العامل سحب من الولايات المتحدة إمكانية إنهاء الحرب بشكل أحادي، إذ بات بإمكان إيران استخدام إغلاق المضيق كورقة تفاوضية حاسمة.
ويعكس هذا التحول مأزقاً واضحاً في الحسابات الأمريكية.
وفي تقرير لصحيفة «هآرتس»، يوضح المحلل عاموس هرئيل، أن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير فشل في طمأنة الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط إلى ما بين 105 و107 دولارات للبرميل، في مؤشر على استمرار القلق الدولي.
ويشير إلى أن التردد في تحديد الأهداف يعكس احتمالية انزلاق واشنطن إلى حرب طويلة ومكلفة، تتناقض مع الخطاب السياسي الذي تبناه ترامب سابقاً، بينما توحي تصريحاته التصعيدية بحالة من الإحباط أكثر من كونها تعبيراً عن ثقة استراتيجية.
وفي السياق ذاته، يذهب تحليل نشرته «يديعوت أحرونوت» إلى أن الإدارة الأمريكية تعيد تعريف أهداف الحرب بشكل متأخر، إذ تم تقليصها إلى أهداف عسكرية محدودة تتعلق بإضعاف القدرات الجوية والبحرية والصاروخية الإيرانية، مع تراجع ملحوظ في الحديث عن تفكيك البرنامج النووي أو تغيير النظام.
ويُبرز هذا التبدل فجوة بين الخطاب الأولي الذي تحدث عن حسم سريع، والتقديرات اللاحقة التي امتدت إلى أسابيع وربما أشهر، ما يعكس خللاً في تقدير مسار المواجهة منذ بدايتها.
في المقابل، تكشف تقارير أمريكية عن أن البنتاغون يدرس خيارات تصعيدية جديدة تُوصف بـ"الضربة القاضية»، تتراوح بين السيطرة على جزر استراتيجية في مضيق هرمز، مثل خرج ولاراك وأبو موسى، أو اعتراض صادرات النفط الإيرانية.
كما تشمل الخطط عمليات برية محدودة داخل العمق الإيراني لتأمين مواقع اليورانيوم عالي التخصيب، في ظل تقديرات تشير إلى امتلاك طهران نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تقترب من العتبة اللازمة لإنتاج أسلحة نووية إذا تم رفع مستوى التخصيب.
غير أن خيار التصعيد البري يظل الأكثر تعقيداً وكلفة، فبحسب تقديرات معهد مانوهار باريكار للدراسات الدفاعية، فإن أي محاولة لتغيير النظام في إيران ستتطلب نشر ما بين 300 ألف و500 ألف جندي، نظراً لاتساع الجغرافيا الإيرانية مقارنة بالعراق، مع توقعات باستمرار العمليات لأشهر أو سنوات، تليها مرحلة احتلال وإعادة بناء طويلة بتكلفة قد تصل إلى تريليونات الدولارات.
وتزداد صعوبة هذا الخيار في ظل معارضة داخلية أمريكية متنامية، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن 56% من الأمريكيين يرفضون التدخل العسكري في إيران، مع نسب رفض أعلى بين الديمقراطيين والمستقلين.
وتطرح بعض التحليلات الإسرائيلية قراءة أعمق لطبيعة الصراع، معتبرة أن الحرب وضعت إسرائيل في قلب سرديات متناقضة تتعلق بنظريات المؤامرة في كل من الولايات المتحدة وإيران، حيث يُنظر إليها كعامل خفي في توجيه السياسات. وتذهب هذه القراءة إلى أن نتائج الحرب، سواء انتهت بنجاح أو فشل، ستعيد تشكيل صورة الدور الأمريكي في المنطقة، إما عبر ترسيخ سردية التفوق العسكري، أو عبر تعميق الشكوك حول جدوى التدخلات الخارجية.
في ضوء هذه المعطيات، تتبلور أربعة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب، يتمثل الأول في إعلان «نصر محدود» من قبل واشنطن، يقوم على تحقيق إنجازات عسكرية جزئية دون حسم الملفات الاستراتيجية، مع بقاء مضيق هرمز ورقة ضغط بيد إيران وفتح باب المفاوضات بشروط جديدة. أما السيناريو الثاني فيتعلق بمحاولة تنفيذ «ضربة قاضية» عبر أحد الخيارات العسكرية المطروحة، وهو مسار ينطوي على مخاطر تصعيد واسعة.
ويبرز السيناريو الثالث في احتمال تحول الصراع إلى حرب طويلة تستنزف الاقتصاد العالمي، خاصة إذا استمر إغلاق المضيق، ما قد يدفع العالم نحو ركود اقتصادي ويؤثر على الداخل الأمريكي سياسياً.
في حين يظل السيناريو الرابع مرتبطاً بتوسّع دوائر الاستنزاف الإقليمي، لا سيما في الجبهة اللبنانية، حيث تواجه إسرائيل تحديات متزايدة في تحقيق أهدافها العسكرية.
في المحصلة، تشير التطورات إلى أن الحرب دخلت مرحلة إعادة تعريف الأهداف تحت ضغط الواقع، حيث تتراجع الشعارات الكبرى لصالح حسابات أكثر تعقيداً، فيما يظل مسار التسوية مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها توازنات القوة الميدانية وتحولات الرأي العام والاقتصاد العالمي.