تتزايد التحذيرات داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية من أن فشل الجهود الدبلوماسية والإقليمية قد لا يفضي فقط إلى تصعيد أكثر دموية، بل قد يفتح الباب أمام استخدام أسلحة غير تقليدية، في ظل عجز واضح عن فرض قواعد اشتباك جديدة. هذا الواقع يعكس مساراً سياسياً متدهوراً يدفع الصراع نحو مرحلة غير مسبوقة من التعقيد والتدمير.
في المقابل، يظهر النهج الإيراني كاستراتيجية تصعيدية مدروسة بعناية، تقوم على التدرج في استخدام القوة بدلاً من الانفجار الشامل. فقد بدأت طهران باستخدام أنواع محددة من الصواريخ، قبل أن تنتقل إلى صواريخ أكثر فتكاً، بما في ذلك الصواريخ ذات الرؤوس العنقودية.
ويشير محللون إسرائيليون إلى أن هذا التدرج يهدف إلى ترسيخ قواعد اشتباك جديدة من موقع قوة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة في الوقت الراهن، مع إبقاء هذا الخيار قائماً.
وتكشف المعطيات الميدانية عن خسائر متزايدة في صفوف الجيش الإسرائيلي، حيث أُعلن عن مقتل عدد من الجنود وإصابة المئات في المواجهات الأخيرة، فيما تشير الأرقام التراكمية منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023 إلى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى.
كما طالت الخسائر المدنيين، مع تسجيل آلاف الإصابات في صفوف المستوطنين نتيجة الضربات الصاروخية.
اقتصادياً، تواجه إسرائيل ضغوطاً غير مسبوقة، مع تقديرات بخسائر تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، في وقت تتكبد فيه العمليات العسكرية اليومية كلفة باهظة تشمل اعتراض الصواريخ والأضرار المادية الواسعة.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن الخسائر الأسبوعية تبلغ مليارات الدولارات، ما يضع الاقتصاد الإسرائيلي تحت ضغط متصاعد.
على الصعيد العسكري، لم تعد الصواريخ الإيرانية مجرد تهديد تقليدي، بل تحولت إلى أداة استنزاف فعالة لمنظومات الدفاع الجوي. فقد أظهرت الهجمات الأخيرة دقة متقدمة وقدرة على اختراق الدفاعات، خاصة مع استخدام الرؤوس العنقودية التي تحول الصاروخ الواحد إلى عشرات القنابل الصغيرة المنتشرة على مساحات واسعة. ويقر خبراء عسكريون بأن اعتراض هذه الصواريخ بعد تفككها يصبح محدود الفاعلية، بل قد يزيد من نطاق الأضرار.
هذا التحول في طبيعة الهجمات ترافق مع انتقال واضح في بنك الأهداف، من المواقع العسكرية إلى البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والمنشآت الصناعية والمناطق الحضرية، ما يعكس تحول المواجهة إلى حرب استنزاف شاملة تمس مختلف مفاصل الدولة.
في السياق ذاته، تبرز مؤشرات على دعم غير مباشر لإيران من قوى دولية، حيث تتحدث تقارير عن تعاون استخباراتي وتقني يشمل تزويد طهران ببيانات ومعلومات حساسة، إلى جانب احتمالات تقديم دعم لوجستي ومكونات عسكرية. هذه المعطيات تعزز من تعقيد المشهد، وتضع إسرائيل أمام تحدٍ يتجاوز المواجهة الثنائية إلى بيئة إقليمية ودولية أكثر تشابكاً.
في ضوء هذه التطورات، تبدو إسرائيل أمام مرحلة استنزاف متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، مع تراجع القدرة على تحقيق أهداف الحرب المعلنة. ومع استمرار تعثر المسار السياسي، يزداد خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.