في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل القانوني والحقوقي، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين، في تحول نوعي يراه مراقبون تصعيداً خطيراً في سياسات التعامل مع ملف الأسرى، وانتقالاً من ممارسات وُصفت سابقاً بـ"الموت البطيء» داخل السجون إلى إضفاء طابع قانوني على عقوبة الإعدام.
وبحسب معطيات رسمية، يقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9500 أسير فلسطيني، من بينهم نحو 1200 مصنّفين ضمن فئة «المقاتلين غير الشرعيين»، وهو تصنيف تقول جهات حقوقية إنه يُستخدم لتجريدهم من الحماية التي يكفلها القانون الدولي.
ويضع القانون الجديد هذه الفئة، إضافة إلى الأسرى المحكومين بأحكام عالية، ضمن دائرة الاستهداف المباشر لتنفيذ أحكام الإعدام.
ويؤكد الناطق باسم هيئة شؤون الأسرى والمحررين ثائر شريتح، أن إعدام الأسرى «ليس ممارسة مستحدثة بالكامل»، مشيراً إلى توثيق عشرات الحالات خلال العامين الماضيين داخل مراكز الاحتجاز، في ظل غياب الشفافية بشأن مصير عدد من المعتقلين، مشيرا إلى أن القانون الجديد يسعى إلى «تقنين واقع قائم» ومنحه غطاءً قانونياً.
وتشير تقديرات إعلامية إسرائيلية إلى أن التطبيق الأولي للقانون قد يستهدف أسرى من حركة حماس متهمين بالمشاركة في هجوم » 7 أكتوبر»، على أن يمتد لاحقاً ليشمل أسرى من الضفة الغربية.
ويعتبر محللون أن هذا التوجه يعكس محاولة لضرب ما يوصف بـ"النخبة الأسيرة»، التي تمثل رمزاً معنوياً في الوعي الفلسطيني.
ويأتي ذلك بالتوازي مع قيود مشددة على زيارات العائلات ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المعتقلين منذ اندلاع الحرب على غزة، وهو ما تعتبره جهات حقوقية انتهاكاً صريحاً للالتزامات الدولية.
وتقول عائلات أسرى إن الحرمان من الزيارة، إلى جانب ظروف الاحتجاز القاسية، يشكل «عقوبة إضافية» تتجاوز الأحكام القضائية.
وفي سياق متصل، وثّقت منظمات حقوقية ما تصفه بسياسة إهمال طبي ممنهجة داخل السجون، مشيرة إلى وفاة أكثر من مئة أسير منذ تشرين الأول 2023، تعزى غالبيتها إلى غياب الرعاية الصحية الكافية.
ويؤكد مختصون أن هذه الممارسات تعكس تدهوراً غير مسبوق في ظروف الاحتجاز، حيث بات الوصول إلى العلاج أمراً شبه معدوم.
كما تثير قضية احتجاز جثامين الأسرى المتوفين جدلاً إضافياً، إذ تشير تقارير حقوقية إلى احتفاظ إسرائيل بمئات الجثامين، في خطوة توصف بأنها تمس بالكرامة الإنسانية وتفاقم معاناة العائلات.
قانونياً، يواجه التشريع انتقادات حادة من مؤسسات حقوقية إسرائيلية، بينها جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل، التي تقدمت بعريضة إلى المحكمة العليا تطالب بإلغائه.
وتستند العريضة إلى أن القانون يكرس نظاماً قانونياً مزدوجاً يميّز بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يحاكم الفلسطينيون أمام محاكم عسكرية تتيح إصدار حكم الإعدام بأغلبية بسيطة، في حين لا تطبق هذه العقوبة في المحاكم المدنية الإسرائيلية.
وتحذر العريضة من أن القانون يلغي ضمانات أساسية للمحاكمة العادلة، من بينها تقليص مدة الاستئناف إلى 90 يوماً، وإلغاء بعض الصلاحيات المتعلقة بتخفيف الأحكام، إضافة إلى فرض قيود على وصول المحامين وتأخير تمثيلهم القانوني.
ويرى خبراء في القانون الدولي أن هذه الإجراءات تتعارض مع اتفاقيات جنيف، التي تضمن حقوق الأسرى، بما في ذلك الزيارات والرعاية الطبية والمحاكمة العادلة، ويشيرون إلى أن تقييد دور الصليب الأحمر الدولي يمثل خرقاً واضحاً لهذه الالتزامات.
ويحذر محللون من أن القانون قد ينعكس سلباً على أي جهود مستقبلية لتبادل الأسرى، إذ سيحدّ من فرص الإفراج عن أصحاب الأحكام العالية، ويغلق نافذة تفاوضية لطالما شكلت أملاً لعائلات المعتقلين.
كما يشير خبراء أمنيون إلى احتمال أن يؤدي التهديد بالإعدام إلى تصعيد ميداني، حيث قد يدفع المطلوبين إلى القتال حتى النهاية خشية الاعتقال.
وينظر إلى القانون على نطاق واسع باعتباره اختباراً جديداً لموقف المجتمع الدولي من قضايا حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، وسط دعوات متزايدة لتحرك دولي لوقف تنفيذه، في ظل تحذيرات من تداعياته الإنسانية والقانونية على آلاف الأسرى الفلسطينيين.