65% من الشباب يعانون الإجهاد الرقمي
عياد : 25% من البالغين يعيشون علاقات "مستهلكة"
الغضب يرفع خطر الجلطات 5 أضعاف
في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتتعقد فيه العلاقات الإنسانية لم تعد الضغوط النفسية دائما صاخبة أو واضحة بل باتت تتسلل بهدوء إلى تفاصيل يومنا لتراكم أثرها دون أن ننتبه وهذا ما يعرف بـ"الإجهاد النفسي الخفي".
ذلك النوع من الاستنزاف الصامت الذي لا يرى بالعين، ينعكس تدريجيا على الصحة النفسية والجسدية معا، وبين الغضب المكبوت، والعطاء الزائد، والخوف من الوحدة، تتشكل كلفة صحية حقيقية ندفعها يوميا في إطار ما يعرف بـ"اقتصاد المشاعر".
القيادية التربوية والناشطة في التوعية بالصحة النفسية ياسمين عياد بينت أن مفهوم "اقتصاد المشاعر" يعكس حقيقة أن المشاعر ليست مجانية كما يعتقد، بل هي استثمار نفسي وعصبي مستمر في كل علاقة إنسانية نخوضها، فكل تفاعل عاطفي يحمل في طياته كلفة وعائدا، والوعي بهذه المعادلة هو ما يحدد قدرة الفرد على الحفاظ على توازنه النفسي.
وأشارت في مقابلة مع "الرأي" أن العلاقة الصحية تشبه إلى حد كبير "صندوق ادخار"، يعزز الشعور بالأمان والنمو، بينما تتحول العلاقة المستهلكة إلى عبء نفسي مستمر يدخل الفرد في دائرة من الإجهاد الصامت، حيث يبقى في حالة تأهب دائم لإرضاء الاخر، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر في الجسم، ويزيد من احتمالية الإصابة بأمراض سيكوسوماتية، مثل الصداع واضطرابات القولون وخفقان القلب.
وأوضحت عياد أن الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل يحمل كلفة صحية حقيقية، إذ تشير المعطيات الطبية إلى أن نوبات الغضب الشديد، قد ترفع خطر الإصابة بالأزمات القلبية عدة أضعاف في الساعات التي تليها، وهو ما يجعل إدارة المشاعر جزءا أساسيا من الوقاية الصحية.
وعلى المستوى العالمي، تكشف الأرقام عن حجم هذه الظاهرة، حيث يقدر أن ما بين 21% إلى 25% من البالغين يصفون علاقاتهم الحالية بأنها "سامة" أو مستهلكة، فيما أفاد نحو 49% من الشباب الذين خاضوا تجارب عاطفية بتعرضهم لأشكال من السلوك التحكمي أو العنف المعنوي، وهي مؤشرات تعكس اتساع دائرة الإجهاد النفسي المرتبط بالعلاقات.
وفي الأردن، تعكس المؤشرات الاجتماعية جانبا من "اقتصاد المشاعر" المحلي، حيث تتراوح نسب الطلاق بين 22% إلى 28%، مع تسجيل نسبة لافتة من حالات الطلاق المبكر خلال السنة الأولى من الزواج، مما يعكس صعوبة التكيف في بعض العلاقات، وعدم القدرة على تحمل كلفتها النفسية.
كما تظهر البيانات كما ذكرت عياد أن ما بين 15% إلى 20% من النساء أفدن بتعرضهن لإساءة نفسية أو تهميش عاطفي، فيما ترتبط نسبة ملحوظة من مراجعات المراكز الصحية الأولية بأعراض جسدية تعود جذورها إلى ضغوط نفسية، مثل الصداع والتعب واضطرابات الجهاز الهضمي.
وتشير تقديرات صحية إلى أن ما يقارب 18% إلى 22% من المراجعين في المراكز الطبية، يعانون من اضطرابات مرتبطة بالقلق والاكتئاب، غالبا نتيجة ضغوط حياتية وعاطفية متراكمة، مما يعزز فكرة أن كلفة المشاعر لا تتوقف عند الجانب النفسي، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على الصحة الجسدية.
أما فئة الشباب، لفتت إلى أنها تواجه تحديات إضافية مرتبطة بالعالم الرقمي، حيث يعاني نحو 65% منهم من الإجهاد العاطفي الناتج عن المقارنات المستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يضعف الرضا عن الذات ويزيد من الشعور بالضغط النفسي.
وفي سياق الحياة الاجتماعية، اعتبرت عياد أنه رغم ما توفره المناسبات والتفاعلات من تماسك ودعم اجتماعي، إلا أنها تحمل في بعض الأحيان كلفة نفسية ومادية، حيث يشعر عدد كبير من الأفراد بضغط الالتزام بالمجاملات الاجتماعية، حتى في حالات الإرهاق، تجنبا للانتقاد أو اللوم.
وأضافت أن جزءا كبيرا من طاقة الفرد قد يستهلك في صراعات جانبية داخل الأسرة أو بيئة العمل، نتيجة ضعف الحدود النفسية، في حين أن تعزيز مهارات الحوار والذكاء العاطفي داخل الأسرة، ينعكس إيجابا على الاستقرار النفسي والتحصيل العلمي للأبناء.
واعتبرت عياد أن من أبرز المفاهيم التي تفسر استمرار الأفراد في علاقات مؤذية، ما يعرف بـ"الاستثمار الغارق"، حيث يتمسك الفرد بالعلاقة خوفا من خسارة ما استثمره فيها من وقت ومشاعر، إلى جانب عوامل مثل الخوف من الوحدة أو ضعف تقدير الذات، مما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة النفسية.
وحذرت من ظاهرة "العطاء الزائد"، التي قد تبدو في ظاهرها سلوكا إيجابيا، لكنها في كثير من الأحيان تكون محاولة غير واعية لكسب القبول، خاصة في غياب الحدود النفسية الواضحة، مما يحول العطاء إلى مصدر استنزاف بدلا من أن يكون مصدر توازن.
وأكدت أن استعادة التوازن النفسي تتطلب مراجعة دورية للعلاقات، وإعادة تقييمها، بما في ذلك اتخاذ قرارات صعبة أحيانا بالتخلي عن العلاقات المستنزفة، إلى جانب تعزيز حب الذات وبناء احتياطي نفسي يساعد الفرد على مواجهة الضغوط.
وشددت عياد على أن الصحة النفسية تمثل رأس المال الحقيقي للإنسان، وأن إدارتها تتطلب وعيا واستثمارا حكيما في العلاقات، يقوم على قاعدة بسيطة لكنها جوهرية، وهي أن يمنح الإنسان من فائض طاقته لا من عمق جراحه، وأن يمتلك الشجاعة للانسحاب من أي علاقة لا تعكس تقديره لذاته، فالصحة تبقى الثروة التي لا يمكن تعويضها إذا فقدت.