في عام 2007، وقف الصحفي عمر الصمادي والمهندسة مرام بركات أمام تقريرٍ صادم، ختمته أخصائية السلوك بنسبة إعاقة عقلية بلغت 85% لطفلهما "عقل" الذي لم يتجاوز العامين، مع حكمٍ قاسٍ: "غير قابل للتعلم".
لكن أم عقل لم تُصدّق. لم يكن ذلك إنكارًا للعلم، بل إيمانًا أعمق بما لا يُقاس بالأرقام، إيمان الأم التي ترى ما لا يراه الآخرون. ومن هنا بدأت الحكاية، حكاية "عقل عمر الصمادي"، الذي لم يكن يومًا رقمًا في تقرير، بل مشروع بطلٍ كانت ملامحه تتشكل بصبرٍ يومي، وبوصلةٍ اسمها "العائلة".
منذ اللحظة الأولى، كرّست المهندسة مرام كل وقتها وجهدها لتعليم عقل وتمكينه، التحقت ببرنامج تدريبي مكثف في الجامعة الأردنية لفهم اضطراب التوحد، وأسست مع زوجها مركزًا تطوعيًا في العقبة لدمج أطفال التوحد في المجتمع، لتكون خبرتها مرجعًا لعائلات كثيرة خارج المحافظة، وبفضل جهودها المستمرة، نطق عقل كلمته الأولى في سن السادسة، لحظة احتُفِي بها كسابقة لمسيرة طويلة من الصبر والعمل اليومي.
وكان والد عقل حاضرًا كشريك أساسي في دعم ابنه، حيث عمل على توفير كل ما من شأنه تطوير مهارات عقل ومساندته في مسيرته. كما لعب الإخوة دورًا فاعلًا، إذ غمروا عقل بالمحبة والاهتمام، ما منحه شعورًا بالأمان الداخلي، وكان محاطًا بأسرة حنونة قريبة منه في كل لحظة، تشاركه تحدياته وانتصاراته، وتسانده بصمت وحب متواصل، مما ساعد على نمو قدراته الذهنية والمعرفية.
أما عقل، فقد برهن على قدراته الفريدة منذ الصغر، فكان من حفظة القرآن الكريم، وتمكّن من اجتياز مرحلة الثانوية العامة بنجاح، ليكون أول شاب من ذوي التوحد في الأردن يصل إلى هذا الإنجاز. وفي يوم احتفال التوجيهي، ألقى عقل كلمة الخريجين، وسط تصفيق حار من زملائه، في مشهد يعكس مكانته بينهم ومحبتهم له.
ويتميز عقل اليوم بعزفه على آلة البيانو بأسلوب متقن، وبقدراته الكبيرة في التعلم والحفظ والتعامل مع الحاسوب، إضافة إلى اهتمامه بالأغاني الوطنية وخطابات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، ما يجعله نموذجًا يُحتذى به ليس فقط للشباب من ذوي التوحد، بل للعائلات أيضًا، لتظهر أهمية تمكين الأبناء وفتح المجال أمامهم للاندماج في المجتمع بدل إبقائهم خلف الأبواب المغلقة.
وفي اليوم العالمي للتوحد الذي يحتفي به العالم في الثاني من نيسان من كل عام، تغدو قصة عقل الصمادي ليس كرحلة تعليمية أو إنجاز شخصي، بل شهادة على قدرة الإنسان على إعادة تعريف المستحيل، عقل لم يهزمه التوحد، بل واجهه بعزيمته ومواهبه الفريدة، ليصبح رمزًا للأمل والإصرار، ونموذجًا حيًا لكل من يواجه تحديات الحياة. في قصته يتجلى الدعم والإيمان بالقدرة على التعلم، والعمل المستمر محويلين أصعب الظروف إلى إنجازات عظيمة، وأن كل تحدٍ يمكن أن يتحول إلى قصة بطولية تُلهم الأجيال القادمة.