يلجأ كثير من الناس إلى الصلح كخيار أول لحل النزاعات، قبل التفكير باللجوء إلى القضاء، في ظل واقع قانوني واجتماعي معقّد جعل الوصول إلى العدالة مسارًا طويلًا ومكلفًا. هذا التوجه لا يعكس بالضرورة ضعف الثقة بالقضاء، بقدر ما يعكس بحث الأفراد عن حلول أسرع وأقل كلفة، وأكثر توافقًا مع ظروفهم المعيشية والاجتماعية.
اختلاف دوافع اللجوء للصلح حسب نوع القضية
وتختلف دوافع اللجوء إلى الصلح باختلاف نوع القضية، سواء كانت حقوقية أو جزائية، إذ تحكم كل نوع منها اعتبارات قانونية وإجرائية من جهة، وعوامل اجتماعية وثقافية من جهة أخرى. ففي حين ترتبط القضايا الحقوقية بطول الإجراءات وكلفتها، تتأثر القضايا الجزائية بثقافة مجتمعية ما زالت تفضّل “الستر” وتجنّب المحاكم.
الصلح خيار واقعي أمام تعقيدات التقاضي
ويرى مختصون قانونيون أن الصلح أصبح في كثير من الحالات خيارًا واقعيًا فرضته تعقيدات التقاضي، وبطء الفصل في الدعاوى، وتغيّر بعض التشريعات، ما دفع المواطنين إلى البحث عن حلول بديلة تنهي النزاع دون الدخول في مسار قضائي طويل قد لا يحقق النتيجة المرجوّة.
الفرق بين القضايا الحقوقية والقضايا الجزائية
وفي هذا السياق، يوضح المستشار القانوني والمحامي أحمد عبيد أن الفرق الجوهري بين القضايا الحقوقية والقضايا الجزائية يكمن في طبيعة الحق محل النزاع، حيث تهدف القضايا الحقوقية إلى المطالبة بحقوق مالية أو تعاقدية، بينما تتعلق القضايا الجزائية بجرائم تمس النظام العام أو الأفراد، وتخضع لاعتبارات قانونية واجتماعية أكثر حساسية.
أسباب اللجوء للصلح في القضايا الحقوقية
ويشير عبيد إلى أن السبب الأساسي للجوء إلى الصلح في الدعاوى الحقوقية يعود إلى طول إجراءات التقاضي، والتي قد تمتد لسنوات دون الوصول إلى حل فعلي أو تحصيل الحق، خاصة في القضايا المالية. فالفصل في الدعوى يكون بطيئًا، وتتعدد الجلسات، وقد يحتاج الملف إلى شهود وخبرات، ما يجعل أقل دعوى تستغرق ما لا يقل عن عام في مرحلتها الأولى.
الأعباء المالية المرتبطة بالتقاضي
ويضيف أن الرسوم القضائية تشكّل عبئًا ماليًا كبيرًا على المواطن، إذ تتقاضى وزارة العدل رسومًا تصل إلى 3% من قيمة المطالبة، إضافة إلى رسم إعلام بنسبة 2%، ورسم تنفيذ بنسبة 3%، وهو ما يجعل رفع الدعوى مكلفًا قبل حتى الوصول إلى أي نتيجة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
أتعاب المحاماة وضعف التنفيذ كدوافع إضافية للصلح
ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، إذ تُعد أتعاب المحاماة المرتفعة عاملًا إضافيًا يدفع الكثيرين إلى تفضيل الصلح، خصوصًا في القضايا التي لا تضمن نتائج واضحة أو تحصيلًا فعليًا للحقوق. كما ساهم التعديل الأخير على قانون التنفيذ، والذي ألغى الحجز على بعض الأملاك ومنع حبس المدين، في إضعاف فرص التنفيذ الفعلي للأحكام، ما أفقد القضاء في نظر البعض فعاليته في تحصيل الحقوق.
اللجوء للصلح في القضايا الجزائية بسبب ثقافة المجتمع
أما في القضايا الجزائية، فيؤكد عبيد أن اللجوء إلى الصلح يعود بالدرجة الأولى إلى ثقافة مجتمعية راسخة تمنع أو تُعيق التوجه إلى القضاء، ويُطلق عليها عادة “ثقافة العيب”. ففي قضايا خاصة مثل هتك العرض أو الزنا، يفضّل الأطراف حل النزاع بعيدًا عن المحاكم، تجنبًا للفضيحة وحفاظًا على السمعة، وقد ينتهي الأمر بالزواج أو التعويض المالي بدل السير بالإجراءات القضائية.
الصلح في قضايا الأسرة وحماية السمعة
وفي قضايا الأسرة، مثل اعتداء الزوج على زوجته، تلجأ كثير من النساء إلى أهلها بدل تقديم شكوى رسمية، خوفًا من تبعات القضية أو نظرة المجتمع. كما أن بعض الفتيات يمتنعن عن التبليغ عند تعرضهن لمواقف معينة، خشية تضخيم الموضوع أو تأثيره السلبي على سمعتهن ومستقبلهن الاجتماعي.
الصلح في القضايا الجسيمة مثل القتل
ويصل تأثير هذه الثقافة إلى قضايا جسيمة مثل القتل، حيث تلجأ بعض العائلات، خاصة ذوي الضحايا من النساء، إلى إسقاط الحق الشخصي مقابل تسويات مالية أو اجتماعية، تحت ضغط المجتمع أو حفاظًا على ما يُسمى “الشأن العام للعائلة”.
أمثلة على قضايا طويلة الأمد دون تحصيل
ويعرض عبيد أمثلة واقعية على دعاوى طويلة الأمد ما زالت دون تحصيل، أبرزها قضايا المطالبات المالية، حيث أشار إلى قضية شراء أحد المواطنين لروف في عمارة تبيّن لاحقًا أنه غير مرخص، ما أدى إلى نزاع مع شركة الإسكان المالكة. ورغم رفع دعوى للمطالبة بقيمة البناء، استمرت القضية ست سنوات ولا تزال في مرحلة التنفيذ دون تحصيل، بسبب قيام شركات الإسكان بإنشاء عدة مشاريع ثم شطب الشركة، ما يجعل تنفيذ الحكم مستحيلًا لعدم وجود أموال أو أملاك للحجز.
مثال نزاع مقاول وصاحب عقار طويل المدة
وفي مثال آخر، أشار إلى نزاع بين مقاول وصاحب عقار بدأ عام 2017 وانتهى عام 2024، بعد سبع سنوات من التقاضي، حيث انتقلت القضية بين جميع درجات المحاكم وصولًا إلى محكمة التمييز، في مشهد يعكس طول وتعقيد الإجراءات القضائية.
النظام القضائي الأردني وعدد درجات التقاضي
ويوضح أن النظام القضائي يقوم على ثلاث درجات، تبدأ بإدارة الدعوى وتسجيلها في قلم المحكمة، ثم إحالتها إلى محكمة البداية التي تنظر فيها وتصدر حكمها، يليه الاستئناف، ثم التمييز في حال كانت القضية قابلة لذلك. ومع الفواصل الزمنية بين الجلسات التي قد تمتد من أسبوع إلى أربعة عشر يومًا، فإن أي دعوى تضم شهودًا أو أطرافًا متعددين تحتاج وقتًا طويلًا قبل صدور حكم نهائي.
الصلح كخيار عملي أمام بطء الإجراءات والكلفة العالية
ويختتم المستشار القانوني أحمد عبيد بالقول إن بطء إجراءات التقاضي، إلى جانب الكلفة العالية وضعف التنفيذ، جعل الصلح خيارًا واقعيًا لكثير من المواطنين، ليس تهربًا من العدالة، بل بحثًا عن حل عملي ينهي النزاع بأقل الخسائر الممكنة.
الصلح كخيار بديل للعدالة العملية
وفي السياق ذاته، يؤكد المحامي بشار البطوش أن الأصل في القضاء أن يكون طريقًا مفتوحًا لتحصيل الحقوق، إلا أن الواقع العملي فرض تحديات دفعت كثيرًا من المواطنين إلى تفضيل الصلح. فمع تزايد أعداد الدعاوى ووجود ما يُعرف بالدعاوى الكيدية، فُرضت رسوم قضائية وحدد الحد الأعلى في بعض الدعاوى الحقوقية بخمسة آلاف دينار، إضافة إلى أتعاب المحاماة ورسوم الشهود والخبراء، ما شكّل عبئًا ماليًا على المتقاضين.
مراحل التقاضي في الأردن وطول أمد النزاعات
ويشير البطوش إلى أن مسار التقاضي في الأردن يمر بثلاث درجات: محكمة البداية، ثم الاستئناف، ثم التمييز، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة قبل صدور حكم قطعي. ويستذكر قضية في قطاع المقاولات استمرت 16 عامًا قبل حسمها، في دلالة على طول أمد النزاعات، الأمر الذي يدفع المواطن إلى البحث عن حل أسرع وأقل تكلفة، حتى وإن أجاز القانون في بعض الحالات تأجيل دفع الرسوم مراعاةً للظروف الاقتصادية.
مميزات الصلح: السرية والخصوصية
ومن جهة أخرى، يلفت إلى أن الصلح يتميز بميزة السرية والخصوصية، بخلاف الجلسات القضائية العلنية التي قد تؤدي إلى كشف معلومات حساسة، خاصة في نزاعات الشركات المتعلقة بالملكية الفكرية أو براءات الاختراع أو المعلومات التجارية، إضافة إلى القضايا الأسرية وقضايا التركات، حيث يفضل الأطراف حصر النزاع في نطاق ضيق بعيدًا عن العلن.
دائرة الوساطة والآثار القانونية للصلح
وعلى الصعيد الإجرائي، أوضح أن القانون أوجد دائرة الوساطة لإتاحة الفرصة للتوفيق بين الأطراف، بحيث يُسترد كامل الرسوم إذا تمت المصالحة في مرحلة إدارة الدعوى، ويُسترد نصفها إذا تمت بعد إحالة الدعوى إلى المحكمة. كما أن الصلح في الدعاوى الجزائية أثناء نظر القضية قد يُعد سببًا مخففًا تقديريًا للعقوبة، ما يمنح الأطراف أثرًا قانونيًا مباشرًا لإنهاء النزاع.
مرونة الحلول وفعالية الصلح اجتماعياً
ويضيف البطوش إلى أن الصلح يتميز بمرونة الحلول وقدرته على تحقيق تسويات ترضي الطرفين وتحافظ على العلاقات الاجتماعية، بخلاف الخصومة القضائية التي قد تزيد النزاع تعقيدًا. كما أن ثقافة المجتمع الأردني، التي تميل أحيانًا إلى الحلول الودية أو العشائرية، عززت من حضور الصلح كخيار عملي، إلى جانب وسائل أخرى كالتـحكيم والوساطة والتوفيق والفتوى الملزمة، باعتبارها بدائل قانونية تسهم في تخفيف العبء عن القضاء وتسريع تحقيق العدالة.
الصلح العشائري وآلية العمل
وبحسب ما أوضح ممثل عشيرة في احدى المناطق فضّل عدم ذكر اسمه، فإن آلية الصلح العشائري تسير وفق أعراف متوارثة تحكمها اعتبارات اجتماعية ومناطقية معقّدة.
دور الطرف الثالث في الصلح العشائري
عند وقوع خلاف بين طرفين، أحدهما معتدٍ والآخر معتدى عليه، غالبًا ما يُلجأ إلى طرف ثالث بهدف الإصلاح وتقريب وجهات النظر. هذا الطرف يتولى نقل المواقف بين الجانبين ومحاولة إيجاد مساحة مشتركة للحل. أما في القضايا الكبرى كجرائم القتل أو الحوادث التي تُفضي إلى الوفاة أو حرق الممتلكات أو المشاجرات التي تتخللها طعون، فإن مسار الصلح يأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ يحضر ممثلون عن الطرفين، ويكون هناك ما يُعرف بـ”وكيل وفا” من جهة المعتدي و”وكيل دفا" من جهة المعتدى عليه، ضمن إجراءات عشائرية منظّمة.
سلبيات الصلح العشائري وضغط الأعراف الاجتماعية
ورغم أن الصلح يُنظر إليه كوسيلة لتخفيف الاحتقان ومنع تصاعد ردود الفعل، إلا أن نتائجه لا تكون دائمًا متوازنة. ففي كثير من القضايا العشائرية يُعتبر الطرف المعتدى عليه هو الخاسر فعليًا، إذ يجد نفسه تحت ضغط الأعراف الاجتماعية مضطرًا للعفو أو التنازل، خاصة عندما تُطرح عبارات ذات طابع ديني ورسمي تُحرج الطرف المتضرر وتضعه أمام مسؤولية اجتماعية تجبره أحيانًا على التفريط بحقه.
فوائد الصلح العشائري في احتواء النزاعات
وأكد المصدر ان الصلح يسهم احيانا في احتواء النزاعات سريعًا، ويحدّ من التوتر بين العائلات، ويمنع امتداد الخلاف إلى أطراف أوسع. كما أنه يوفّر الوقت والجهد مقارنة بالتقاضي، الذي ينتهي عادة بحكم يُنصف أحد الطرفين ويُحمّل الآخر تبعات قانونية قد تُفاقم الحساسية بين العشائر. في المقابل، تتمثل أبرز السلبيات في احتمالية هضم الحقوق، خاصة عندما يتحول الصلح إلى التزام اجتماعي أكثر منه خيارًا حرًا قائمًا على القناعة.
أمثلة واقعية على الصلح العشائري وتأثير العوامل الاجتماعية
ويشير الى بعض الحالات التي وقعت في لواء (ل.ب)، نشب خلاف تطور إلى جريمة قتل بين عشيرتين (ع.ش) و(ع.ع). حاولت عشيرة من خارج اللواء (ع.ع) التدخل للإصلاح، لكنها لم تتمكن من تقريب وجهات النظر بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فانسحبت من الوساطة. لاحقًا تدخلت عشيرة أخرى من داخل اللواء (ع.خ)، ونجحت في إتمام الصلح، حيث لعبت الاعتبارات المناطقية والمصالح المستقبلية دورًا في قبول التسوية، ما يعكس أثر العوامل الاجتماعية والانتخابية في مسار المصالحات.
مثال حادثة دهس وشاب وعشائر متعددة
وفي مثال آخر، تعرّض شاب من عشيرة (ع.خ) لحادث دهس من شخص ينتمي إلى عشيرة (ع.ط)، وأُدخل المستشفى متأثرًا بإصابته. جرت محاولة صلح بوساطة عشيرة (ع.م)، بعد تنسيق مسبق لقبولها كطرف مصلح، إلا أن جلسات الصلح شهدت توترًا، حيث طغت مداخلات الشباب وردود الفعل الانفعالية على دور كبار السن، ما أدى إلى فشل الاتفاق وانتقال القضية إلى القضاء، قبل أن تنتهي بوفاة المصاب.