تُعد "السردية الزراعية" في محافظة إربد أكثر من مجرد تاريخ لزراعة الأرض؛ إنها قصة تعايش أزلي بين الإنسان الأردني وترابه، وجسر يربط الهوية الوطنية بجذور ضاربة في عمق التاريخ البشري. وفي هذا السياق، كشف الباحث في التراث الزراعي، الدكتور أحمد الشريدة، عن ملامح هذه السردية التي تجعل من شمال الأردن مركزاً عالمياً للتنوع الحيوي والأمن الغذائي القديم.
وفي هذا السياق يقول رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الباحث في التراث الزراعي، الدكتور أحمد الشريدة، أن محافظة إربد تحتضن إرثاً زراعياً عالمياً يتمثل في أشجار الزيتون المعمرة، المعروفة محلياً باسم "المهراس" أو الزيتون "الرومي"، مشدداً على أن هذه الأشجار تمثل رمزاً لثبات الإنسان الأردني في أرضه وعطائه الممتد عبر العصور.
و أوضح الدكتور الشريدة أن أشجار "المهراس" التي زرعها الآباء والأجداد منذ نحو 3000 عام، ليست مجرد أشجار تاريخية فحسب، بل هي ثروة علمية أثبتت الدراسات الجينية الحديثة قيمتها العالمية وأشار الشريدة أثبتت الدراسات العلمية من خلال فحص الجينات أن هذه الشجرة المباركة هي الأصول الرئيسية لأشجار الزيتون المعمر الموجودة اليوم في إيطاليا وإسبانيا واليونان."
وعلى صعيد التراث الصناعي الزراعي، استعرض الشريدة تاريخ "طاحونة الحبوب" (مطحنة عودة)، مؤكداً أنها من أقدم الطواحين في بلاد الشام، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1589م.
وبيّن الشريدة الأهمية الاستراتيجية لهذه الطاحونة في "السردية الأردنية"، مشيراً إلى دورها المحوري في تحقيق الأمن الغذائي للمنطقة في تلك الحقبة. وأضاف: "لقد استثمر الإنسان قوى الطبيعة بذكاء، وتحديداً القوى المائية في وادي الريان لتشغيل هذه الطاحونة، التي تحولت إلى مركز اجتماعي واقتصادي يلتقي فيه أهالي محافظة عجلون ولواء الكورة."
وأشار إلى أن مدينة إربد، "عروس الشمال"، لا تزال تقف شامخة كشاهد حي على حضارات تعاقبت منذ آلاف السنين، حيث تدمج في هويتها بين أصالة الماضي المتمثل في معالمها التاريخية، وحداثة الحاضر التي تظهر في شوارعها العريقة كشارع "مصطفى وهبي التل".