في خضم الحرب الأمريكية - الإسرائيلية المفتوحة على إيران، يبرز لبنان كجبهة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات سياسية إقليمية ودولية لم تتضح معالمها بعد.
المعركة في الجنوب اللبناني لم تعد مجرد جبهة إسناد، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لقدرة إسرائيل على إدارة حرب متعددة الساحات دون الانزلاق إلى نزاع استنزافي طويل الأمد.
ومع غياب رؤية واضحة لـ«اليوم التالي» وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، يتعزز إدراك المؤسسة الإسرائيلية بأن مستقبل الحرب في لبنان أصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمآلات التفاهمات الأمريكية–الإيرانية، والتي قد تعيد رسم حدود الاشتباك في المنطقة بأسرها.
واندلعت الحرب الإسرائيلية–الأمريكية الموسعة على إيران في 28 شباط، ودخل حزب الله المواجهة في 2 آذار بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة بشكل شبه يومي نحو المستوطنات الشمالية والعمق الإسرائيلي، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم الضابط أوري بيريتس في نهاريا.
وجاء الرد الإسرائيلي سريعاً وعنيفاً عبر غارات جوية مكثفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب وشرق لبنان، تلاها توغل بري محدود، ما أدى إلى سقوط أكثر من 1,100 قتيل و3,300 جريح، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية، شمل استهداف القطاع الصحي وفرق الإسعاف، لكن هذا التصعيد لم يحسم المعركة، بل أدخل إسرائيل في نمط حرب استنزاف تتآكل فيه القدرة العسكرية تدريجياً دون تحقيق نتيجة ميدانية واضحة.
وتكشف التحليلات الإسرائيلية عن اعتماد استراتيجية ميدانية تشبه «الحزام الأمني» السابق، لكن تحت مسميات محدثة مثل «الدفاع المتقدم» أو «الخط الأصفر الشمالي».
ويصف المحلل العسكري آفي أشكنازي الوضع في جنوب لبنان بأنه «فيلم رعب»، إذ تنتشر عشرات آلاف الجنود الإسرائيليين في نقاط متقدمة داخل الأراضي اللبنانية، لكن دون قدرة حقيقية على الحسم، حيث تتحول مهمتهم الأساسية إلى «تجنب التعرض للضرب».
يسعى الجيش الإسرائيلي للوصول إلى نهر الليطاني وإنشاء شريط أمني يمتد حتى الخط الأزرق، لكن هذه الأهداف تعكس تكرار استراتيجية أثبتت فشلها في الماضي بين 1985 و2000.
رغم وجود إجماع واسع داخل إسرائيل على إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، يختلف المستوى السياسي حول عمق هذه المنطقة وحدودها، إذ يدفع البعض نحو السيطرة حتى الليطاني، بينما يكتفي آخرون بإبعاد مقاتلي حزب الله مسافة 7–8 كيلومترات عن الحدود، كلما اتسعت المنطقة العازلة، ازدادت كلفة الاحتفاظ بها عسكرياً وارتفعت مخاطر الانزلاق إلى احتلال طويل الأمد.
وتحذر التحليلات من تكرار أخطاء الماضي، مستذكرة الاحتلال السابق الذي أسفر عن مقتل 559 جندياً إسرائيلياً.
ويشير خبراء إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لن يقضي على حزب الله، بل سيعيد إنتاج حلقة مفرغة من الجولات العسكرية دون حسم.
وفي الوقت نفسه، تظهر تقديرات إسرائيلية ارتفاعاً في الإصابات بين صفوف الجيش بسبب الصواريخ المضادة للدروع ونيران حزب الله، بينما تركز البيانات الرسمية على خسائر الحزب، المعلنة بحوالي 600 قتيل بينهم قيادات ميدانية بارزة.
وتتجاوز الأزمة العسكرية مجرد الأرقام لتشمل استنزاف الدفاعات الجوية مع تراجع مخزون صواريخ الاعتراض، انهيار الثقة بين الحكومة وسكان الشمال، شلل اقتصادي واجتماعي في مستوطنات مثل كريات شمونة، وأزمة القوى البشرية التي يقترب الجيش من حدوده القصوى بسبب العجز عن تجنيد آلاف الجنود، وتوسع العمليات على عدة جبهات بما في ذلك لبنان وغزة والضفة الغربية وسوريا.
ويربط المحللون مصير الحرب في لبنان بالمسار الإيراني–الأمريكي، حيث قد تضع طهران وقف القتال في لبنان كشرط لأي تسوية مع واشنطن، ما يضع إسرائيل أمام معضلة استراتيجية: القبول بوقف الحرب دون حسم في الشمال أو الاستمرار في القتال منفردة وتحمل الكلفة، وفي كلا الخيارين تفقد القدرة على التحكم الكامل بمسار المعركة.
على الصعيد الداخلي، تتزايد الانتقادات لأداء الجيش والحكومة، مع تساؤلات حول التأخر في استهداف البنية اللوجستية لحزب الله، بطء التقدم نحو الليطاني، وغياب خطة واضحة للحسم، في حين يرى البعض ضرورة الفصل بين حزب الله والدولة اللبنانية لتجنب تعميق الأزمة.
وتشير التقارير إلى توتر غير مسبوق بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، حيث يسعى نتنياهو لتحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب المخاطر المتزايدة للمدنيين داخل وخارج إسرائيل.
يبدو أن إسرائيل دخلت مستنقعاً عسكرياً في لبنان، تتسم معالمه بالاستنزاف الميداني المستمر، غياب استراتيجية خروج واضحة، واعتماد متزايد على متغيرات خارجية.
وما لم تفلح التحولات الإقليمية في فرض نهاية مختلفة، فقد تكرر تجربة 2006، حرب بلا حسم تعزز خصمها وتكبدها كلفة عالية على المدى القريب.