تشهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة من الارتباك الاستراتيجي في إدارة المواجهة مع إيران، في ظل تصاعد عسكري يتداخل فيه البعد الميداني مع حسابات الطاقة والاقتصاد، دون قدرة واضحة على تحقيق حسم سياسي.
وقد عكست تصريحات ترامب الأخيرة هذا الاضطراب، إذ جمع في خطاب واحد بين التهديد بتوسيع الضربات لتشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية، وبين الحديث عن رغبته في التوصل إلى اتفاق سريع، في تناقض أربك مسار المواجهة وأثار قلقًا داخل الأوساط الأمريكية والإسرائيلية.
وتشير تقديرات تحليلية في صحيفة هآرتس إلى أن الإدارة الأمريكية تدير الحرب بمنطق مزدوج، حيث يدفع التيار العسكري نحو تصعيد العمليات لتحقيق إنجاز ملموس، فيما يتحفظ التيار الاقتصادي والسياسي خشية تداعيات أي استهداف واسع لمنشآت الطاقة على الأسواق العالمية.
ونقل محللون، من بينهم ديفيد إغناتيوس، أن أي تصعيد في هذا الاتجاه قد يرتد سلبًا على الاقتصاد الأمريكي نفسه، في ظل حساسية أسواق النفط.
بالتوازي، تقترب إسرائيل من استنفاد بنك أهدافها العسكرية داخل إيران، وفق ما أورده المحلل العسكري عاموس هرئيل، الذي أشار إلى أن الإنجازات العملياتية لم تتحول إلى نصر سياسي، كما حدث سابقًا في تجارب عسكرية أخرى.
ويعزز هذا التقييم ما طرحه توماس فريدمان، معتبرًا أن الولايات المتحدة تخوض حربًا دون تصور واضح لنهايتها، رغم قدرتها على إدارتها في مراحلها الأولى.
وفي السياق ذاته، أظهرت تقارير منشورة في صحيفة نيويورك تايمز أن الحملة الجوية الأمريكية–الإسرائيلية نجحت في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة، إلا أنها لم تمس جوهر قدرة النظام على الاستمرار.
كما أشار ديفيد سانغر إلى أن هذا النوع من العمليات، رغم كثافته، يبقى محدود التأثير في تغيير المعادلات الاستراتيجية.
في المقابل، أظهرت طهران قدرة واضحة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قوتها، سواء عبر إعادة ترتيب هرم القيادة أو توظيف الجغرافيا كأداة ضغط، من خلال التهديد بإغلاق الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، إلى جانب الحفاظ على شبكة حلفائها الإقليميين.
ويؤكد إغناتيوس في هذا الإطار أن إيران لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر، بقدر ما يكفيها تجنب الهزيمة والاستمرار في استنزاف خصومها.
وتبرز حرب الطاقة كأحد أخطر أبعاد الصراع، في ظل تحذيرات من تحول أي استهداف واسع لمنشآت النفط إلى أزمة عالمية قد تعيد سيناريوهات صدمات السبعينيات.
وتواجه واشنطن في هذا السياق معادلة معقدة بين الضغط على إيران وتجنب انفجار أسعار النفط، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية.
على الجبهة الإسرائيلية، تتزايد مؤشرات الاستنزاف مع استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ما يفرض ضغطًا متصاعدًا على منظومات الدفاع الجوي ويؤثر على الجبهة الداخلية اقتصاديًا ومعنويًا.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى مخاطر تآكل القدرة العملياتية مع استمرار الحرب لفترة طويلة، رغم ما تحقق من نجاحات دفاعية.
كما تكشف تطورات المواجهة عن فجوة متزايدة بين واشنطن وتل أبيب، حيث تمسك الولايات المتحدة بزمام القرار الاستراتيجي، فيما تحاول إسرائيل التأثير دون امتلاك السيطرة الكاملة.
وقد حذر مسؤولون أمريكيون من المبالغة في تقدير فرص تحقيق حسم سريع، معتبرين أن إطالة أمد الحرب قد تتحول إلى نقطة ضعف للطرفين.
وفي ظل هذا المشهد، فشلت الولايات المتحدة في بناء تحالف دولي واسع على غرار الحروب السابقة، نتيجة تردد دول إقليمية ومخاوف أوروبية من تداعيات أزمة الطاقة، إلى جانب غياب إجماع دولي واضح.
ويعكس هذا الواقع محدودية القدرة على ترجمة التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي مستدام.
وفي السياق الأوسع، تربط تحليلات إسرائيلية بين مجريات الحرب والتطورات في الأراضي الفلسطينية، حيث يُنظر إلى تصاعد الاستيطان والعنف في الضفة الغربية كجزء من مشهد إقليمي متداخل، قد يقوض أي محاولة لتقديم الولايات المتحدة كوسيط نزيه في المستقبل.
وتتجه المواجهة نحو نمط من حرب استنزاف معقدة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية، وسط تفوق ناري واضح يقابله غياب للحسم، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل تدريجية للتوازنات الإقليمية دون نتائج نهائية حاسمة في المدى القريب.